الأحد، 9 أغسطس 2020

في فرنسا: الأكل الحلال.. بيزنس حلال

الأكل الحلال.. بين التّجارة والسّياسة

تعرف فرنسا، منذ سنوات، اتساع ظاهرة محلات بيع مواد غذائية، تحمل ماركة «حلال»، تتوجّه بالأخص إلى مهاجرين من أصول مسلمةّ؛ تحفظ لهم الحقّ في الالتزام بتعاليم الدّين، وتثير حولها سخط مناصري أحزاب أقصى اليمين.

شتاء 2009، تناقلت صحف فرنسية خبرًا كان من الممكن أن يمرّ عاديًا، وهو افتتاح متجر بمنطقة برسين، غرب البلاد؛ لكن لافتة كُتب عليها كلمة «حلال» علقها صاحبا المتجر على المدخل، كانت وحدها كفيلة لتحويل الأنظار إليه، وتجعل منه قضية رأي عام، وتؤدي إلى تصاعد أصوات سياسية يمينية تدعو إلى ضرورة احترام مبدأ العلمانية في الجمهورية، وعدم توظيف الدّين في البحث عن الأرباح التجارية..

«انتفاضة» اليمين جاءت متأخرة – بحسب رأي الملاحظين – فماركة «حلال» صارت اليوم مرادفا لشريحة واسعة من الزّبائن، يتجاوز عددهم 5 مليون شخص، رقم يسيل لعاب كبريات الشركات التجارية والمصانع المنتجة.

لا تنس بسم الله!

عام 2010، رقم التّعاملات في سوق «الحلال» بفرنسا بلغ 5 ملايير أورو، وهو رقم يتجاوز سقف مبيعات الأغذية البيولوجية، و«الكاشير»(الأكل الحلال عند اليهود)، مما بات يشكّل سوقا مفتوحة ومغرية للمنشغلين في مجال الصناعة الغذائية، وفي المطاعم وفي شركات توزيع الوجبات السريعة.

في صيف السّنة نفسها، وفي سابقة غير متوقّعة، أعلنت سلسلة المطاعم البلجيكية «كويك»(Quick) عن افتتاح أربعة عشر(14) مطعما «حلال»، مُشرّعة، بذلك، باب المنافسة على مصراعيه، ومعلنة بداية السّباق للظّفر بالزبون «المسلم» في فرنسا يُعاني فيها المسلمون إجمالا بعض مظاهر التّمييز.

على غرار نظراء لهم في الوطن العربي، يحتفي مسلمو فرنسا بشهر رمضان، وبإعداد موائد الإفطار المزيّنة بكوكتيل من الأطعمة، ومن المنتجات الفرنسية الصنع والإسلامية الاستهلاك، مما صار يدفع بكبريات المتاجر إلى الاستثمار في طبقة الصّائمين، حيث خصّصت متاجر«كرفور» مثلاً جناحا موسميًا باسم «كرفور حلال»، وسمّت  متاجر «كزينو» جناحا مماثلا ﺒ«وسيلة».

سباق للظّفر بالزبون المسلم

روائح الشّرق وأذواقه، التي تستقطب إليها مهاجرين مسلمين قادمين من المغرب العربي، من دول غرب إفريقيا المسلمة، من تركيا ومن وسط وشرق أوربا، صارت تقريبا في متناول الجميع، بما في ذلك الفرنسيين غير المسلمين، بعدما كانت، لسنوات طويلةّ، محصورة في بعض المتاجر، المتواجدة بالأحياء العربية في باريس، وفي مرسيليا وليون وليل، كما أن بعض محلات «الحلال» الجديدة، صارت تتجاوز الضّوابط ، بتعليق لافتات مكتوبة بالعربية، مثل «لا تنس بسم الله» أو «هذا من فضل ربي»، كما نراه مثلاً في واحد من محلات الأكل السريع ببارباس، في وسط باريس.

أزمة الذّبائح

أعلنت زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني مارين لوبان الحرب على المهاجرين المسلمين، وعابت عليهم التّطاول على «قيّم الجمهورية العلمانية»، من خلال إصرارهم على المتاجرة في الأغذية «الحلال»، لا سيما اللحم منها، ونحر الذبائح وفق الشّريعة المحمدية. ممارسة أثارت لغطا داخل الحزب، حيث سبق لواحد من مناضلي الجبهة الوطنية أن نشر لافتة يحذر فيها الفرنسيين من أكل اللحم الحلال، بحجة أن الحيوانات المذبوحة هي عرضة، أكثر من غيرها، لنقل فيروسات، كما دعا إلى تنظيم حملة جمع توقيعات للحدّ من هذه الممارسة بسبب « طابعها الوحشي» – كما ادّعى –.

مارين لوبان لم تهضم الأكل الحلال

إذا كانت حملة الجبهة الوطنية قد كسبت عددًا مهمًا من المؤيدين، فإن أرقام غرفة الفلاحة الفرنسية تشير إلى أن 30% من اللحم المسوّق حاليا يستجيب لمعايير «الحلال»، ويذكر الحزب في شكوى تقدم بها لدى محكمة نونتير بباريس: «إن غالبية عمليات نحر الحيوانات تتم وفق الشريعة الإسلامية، في وقت يبقى فيها الطلب على اللحم الحلال لا يتجاوز 23 %». الحملة التي يشنها حزب الجبهة الوطنية تجد صدى لها نسبيًا في الشّارع، لكنها لم ولن تبلغ مبتغاها، على الأقل في الوقت الرّاهن، فالمنتجات «الحلال» صارت اليوم تشكّل واجهات كثير من كبريات المتاجر، وانتقلت من اللحوم إلى المشروبات الكحولية «الحلال»، فالمسلم تحوّل إلى مقصد تجاري، ومن أجل الّربح لا يجد فرنسيون في الدّين الإسلامي حرجا.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة   الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير …

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …