الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

إرث آسيا جبّار

سعيد خطيبي

عام يمرّ على رحيل آسيا جبّار، لكن إرثها ما يزال حاضرًا.

كتبت آسيا جبّار باكورتها(عطش)، في شهر واحد، وهي يافعة، في سنّ التّاسعة عشر(صدرت عام 1957)، تخصَّصت في التّاريخ، وكغيرها من مجايليها اختارت صاحبة «متلهِّفون» اسماً مستعاراً لتحمي نفسها خلفه(اسمها الحقيقي: فاطمة الزّهراء ايملحاين)، وقد كانت الأسماء المستعارة موضة آنذاك، لجأت كاتبات مهمّات أخريات إليها، على غرار: عائشة لمسين، حواء جبالي، بديعة بشير، وغيرهن.

لم يكن دخول  آسيا جبّار، ومن رافقنها من الجيل الأول من كاتبات، إلى عالم النّشر سهلاً، فقد وجدن موطئ قدم صغير في بعض دور النّشر الباريسية، التّقدميّة، مثل جوليار، ستوك، وفي مرحلة لاحقة منشورات «لارماتان»، وكثير منهن اكتفين بالنشر على حسابهن الخاصّ، في منشورات «Pensée Universelle» .

والمؤسف أن غالبية كاتبات جيلَي الخمسينيات والسّتينيات لم يواصلن الكتابة، وبدأن في الاختفاء تدريجياً عن واجهة الأدب والنّشر، ولم تستمرّ منهن سوى قليلات.

لمّا أصدرت آسيا جبّار روايتها الأولى، قارن البعض بينها وبين رواية «مرحباً أيّها الشّقاء»(1954) لفرانسواز ساغان، بسبب اشتراكهما في الاشتغال على الأسلوب أكثر من الاشتغال على الحبكة والشّخصيات.

واستمرَّت الكاتبة نفسها في الاشتغال على الرّواية أكثر من خمسين سنة، ويمكن أن نقسّم مسارها الإبداعي إلى مرحلتين اثنتين: ما قبل «نساء الجزائر في مخدعهن» (1980) وما بعدها. فما جاء قبلها كانت روايات الشّباب: «عطش»(1957)، «المتلهِّفون»(1958)، «أطفال العالم الجديد»(1962) و«القبّرات السّاذجة»(1967)، وهي روايات تجتمع في خاصية التّركيز على شخصيات نسائية شابّة، ستتطوَّر لاحقاً في رواياتها القادمة.

رواية «عطش»، جاءت في عزّ الثورة التحريرية، لكنها لم تكن معنيّة بما كان يحدث على أرض الواقع، وروايتها الثانية عادت إلى الجزائر، إلى بيئة محافظة، لكن دونما الخوض في التلميحات السّياسية، اختارت بطلة لها اسمها «دليلة» تنتفض ضدّ المجتمع المنغلق الذي تعيش فيه، وجاءت روايتها الثّالثة في الخطّ نفسه تقريباً، ضدّ الغلق والمنع المفروضين على المرأة. في رواية «القبّرات السّاذجة» يتقاطع التاريخان الشّخصي والجمعي، بشكل يشبه ما جاء في رواية «الحبّ، الفنتازيا» لاحقًا، تصوّر الرّواية نفسها شخصية «نفيسة»، في الأشهر الأخيرة من الثورة الجزائرية، في معتقل قرب الحدود التونسيّة، وعلاقة الحبّ والصدام التي جمعتها مع شخصية رشيد.

في 1980، أصدرت آسيا جبّار مجموعتها «نساء الجزائر في مخدعهن»، التي جاءت بعد حوالي عشر سنوات من الصّمت، ومهَّدت هذه المجموعة لمرحلة ثانية مختلفة في تجربتها الروائية. في «الظلّ السّلطان»(1987)، تستعيد الرّوائية ثيمة العزلة في حياة المرأة، وفي عام 1991، فاجأت آسيار جبّار القرّاء برواية مختلفة، خرجت عن تصنيفات رواياتها السّابقة، فقد أصدرت رواية «بعيداً عن المدينة»، وعادت إلى السّنوات الأولى من الإسلام، من وجهة نظر نسائية، مركّزة اهتمامها على نساء الرّسول (ص)، رواية تتعدَّد فيها الأصوات، ولا تشبه سابقاتها سوى من حيث مزج الروائية بين المتخيَّل والتّاريخ الرّسمي.

رغم غربة الكاتبة وبُعدها عن الجزائر، لم تكن لتلتزم الصّمت أمام صعود العمليات الإرهابية التي استهدفت المثقَّفين الجزائريين، سنوات التسعينيات، وكتبت نصّها المتضامن مع محنة شعب «بياض الجزائر» عام 1996، كردّة فعل عن اغتيال مثقَّفين بارزين عرفتهم عن قرب، واستمرّت بعدها في الكتابة مع خمسة إصدارات: «وهران، لغة ميتة»(1997)، «هذه الأصوات التي تحاصرني»(1999)، «امرأة بلا ضريح»(2002)، «اختفاء اللّغة الفرنسيّة»(2003) و«لا مكان في بيت والدي»(2007)، التي تُرجِمت إلى العربية، بعنوان «بوّابة الذكريات».

آسيار جبّار ليست مجرد اسم في ريبرتوار السّرد الجزائري، بل هي عنوان تجربة دامت أكثر من نصف قرن من الإبداع، فضلها على الأدب ليس في الكتابات فحسب، بل أيضاً في كونها قد فتحت باباً واسعاً لكاتبات جئن من بعدها، لقد أخرجت آسيا جبّار نساء الجزائر من مخدعهن وورَّطَتْهن في البوح.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …