الخميس، 17 أكتوبر 2019

من أحرق المدن؟!

حبيبة العلوي

من حياة..!

1

من أحرق المدن؟!

قالت صديقتي.. المؤمنة والمُسالمة في احتجاج حارق على نصيّ الأخير.. من أحرق المدن لم يكن رجلاً أو امرأة.. لا يتعلّق الأمر في النّهاية بجنس ما..  مؤهّل للحرق.. وإنمّا باستعداد تاريخي «ما» لجيل كامل لا يتلاءم والحياة..!

من أحرق المدن لم يكن ذكرًا.. فالذّكورة لا تعني السّواد.. قالت صديقتي المؤمنة والمُسالمة جدّا والتي لا يمكنها في النّهاية إلاّ أن ترى الجمال مكثّفا بشكل ما في ذكرانها الأربع..!

من أحرق المدن لم يكن ذكرًا.. إذن!

ولا أعرف شخصيّا هل كان أنثى!

فعادة ما تعتني الأنوثة بالحياة.. حتّى أنّها كثيرًا ما تلتبس بها.. ولهذا ربّما تُدَنّس الأنوثة لدى كلّ من يقدّسون الموت!!

صديقتي التي مازالت تشتهي أن تتعرّف على تضاريس مدينتها بعد سقوط الشّمس..

تقول أنّ النّساء في الجزائر مصنوعات لـ«التْهَمبير»؛ للأشغال الشاقّة يعني..  التي تشبه الكنس والخبز والطّبخ وتربية النّشء..  وكلّ هذه الأعباء..  في النّهاية هي أعباء نهاريّة بامتياز..  أمّا عندما يجنّ الليل فلن يتذكّر نساء المدينة أحد..  تقول صديقتي المسالمة: «نتشهّى نخرج في الليل.. نحبّ نشوف الدزاير باي نايت..».

فاجأتني فعلا صديقتي بأمنيتها المكبوتة هذه.. التي لم تبح بها لي يومًا إلاّ بعد أن قرأت نصّي عن «نساء المدينة».. قالت لي وهي تنتظر عودة «ذكرانها» إلى البيت..«نحبّ نشوف الدزاير باي نايت»..!

لطالما أرادت صديقتي أن تكتشف الجزائر الأخرى التي يحجبها عنّا نحن نساء المدينة «العاقلات والمسالمات» جدًّا رجال المدينة، الذين يجيدون احتكار الفضاء في الليل..

للجزائر «باي نات» أكثر من مخيال لدى نساء المدينة العاقلات والمسالمات، فهي مُعادل لكلّ أفلام الرّعب الممكنة.. لفقد الأحبّة موتًا أو خطفًا أو شغفًا.. الجزائر «باي نايت» تصير إلى مدينة مريبة وداعرة وماكرة.. ولهذا فالنساء عادة ما يعادين المدينة في الليل في جزائر حضر التجوّل وحضر الحيا..!

تمامًا كما تعاديهنّ المدينة ولا تتيح لأغلبهنّ التلذّذ بطقوسها الليليّة التي لا تشبه تمامًا طقوسها النهاريّة الجديّة والعاقلة..  التي لا تزيد إلاّ من نسبة الضّغط والسكّري في الدّم..!

صديقتي في النّهاية تريد أن تكتشف وجهًا آخر لمدينتها، وجهًا يمكنه أن يعوّض عن قوالب الشوكولا التي تلتهمها كلّ ليلة.. في انتظار هلول «ذكرانها» من عوالمهم المريبة!!

فقد يتيح سقوط حضر التّجوال في المدينة بالليل.. للمرأة أن تُحافظ على توازنها الهرموني دون أن تخسر نتائج حمياتها المريرة!!

النّساء في الجزائر مصنوعات لـ«التْهَمبير»؛ للأشغال الشاقّة

2

إلى كريمة..!

عندما يتأنّث ليل المدينة.. يصير آمنا بالضرورة.. صالحًا بالضرورة للحياة.. لهذا لا يشعر الجزائريّون عادة أنّهم يمتلكون مدينة.. فمدينة لا تؤنّث لا يعوّل عليها عادة.. مدينة مصنوعة لأداء أدوار محصورة في الأكل والنّوم.. والتبرّز والكدّ بين هذي الضرورات الثلاث لتأمين الحدّ الأدنى من التواجد.. لا يمكن أن تظفر بلقب المدينة عن جدارة!

مازالت الجزائر بحوماتها ومقاهيها ومطاعمها.. وجوامعها وساحاتها.. وجميع فضاءاتها غير الرسميّة تضع حدودًا فاصمة بين ما هو ذكوري وما هو أنثويّ.. وبين ما هو قابل للتلوّن بالذكوريّة والأنثوية.. وبين ماهو قاطع الانتماء/ التحزّب لجنس ما منهما..

ففي الجزائر العاصمة أخترعت «صالات الشاي».. ليسقط الحرج عن مدينة لا تبيح للمرأة دخول المقاهي.. فكان أن صار على المرأة أن تدفع ضريبة قعودها لاحتساء القهوة أو الشّاي في مكان عام من خزينتها المنهكة أصلاً بضرورات التأنّث العامّة والدارجة.. تقول صديقتي المخرجة: «أنا أرفض أن أدفع أكثر من الرّجل عشرات المرّات فقط لأنّي امرأة تريد أن تشاطر قهوة مع صديق/ـة في مكان ما في الجزائر العاصمة».. لهذا السّبب بالذات تتجرّأ «ظريفة» على ارتياد المقاهي الذكوريّة جدّا في الجزائر ولكن برفقة «صديق/ محرم»!

مازال الجامع أيضًا فضاء يُفصَل فيه بين الرّجال والنّساء بشكل قاصم منذ قرون في بلاد العرب التي انتهكت قدسيّة الاختلاط في الحجّ.. لهذا لطالما رأيت في الزوايا والتي هي في النهاية فضاءات ريفيّة بامتياز.. فضاءات أكثر مدنيّة من الجوامع![1]

مازال الجامع فضاء يُفصَل فيه بين الرّجال والنّساء

في الجزائر العاصمة تَكرَّس أكثر هذا الفصل الجنسي في الجزائر السّلفية؛ في زمن ذروة انتصار الخطاب الإسلاموي حيث صارت الجوامع في أيدي دعاة/ ساسة[2] يتلذذون في كلّ درس وخطبة جمعة في اجترار دعوة المرأة الجزائريّة للعودة إلى الحجاب الذي قد يكافئ جدّا في أدبيّاتهم العودة إلى فضاء: البيت؛ فمن أهمّ دعائم الخطّة الاقتصاديّة «الفيسيّة»[3] هو التعويل على خلق فرص جديدة للشباب العاطل عن العمل وعن الزّواج بـ«ضبضبة» النّساء في البيوت تطبيقًا لشريعة «وقرن في بيوتكنّ»!

في أوّل زيارة لي لدمشق (2001).. أذكر أني عشقت جدّا حالة انفتاح فضاء «الجامع الأموي» على النساء والرجال.. ودهشت من كوني أستطيع أن أصلّي مباشرة قبالة محراب الجامع – الفضاء الذكوري جدّا في مخيالي الجزائري – أنا الأنثى التي لا يجوز لها أن تركع وتسجد وفي عقبها رجال.. اتقاء فتنتهن!

وأذكر أنّي امتننت أيّامها لنظام الأسد «العلماني»، الذي منحني فرصة أن أقف لدى ضريح النّبي يحيى (يوحنا المعمدان) وأن أتيمّم «جرن المعموديّة» وأُصلّي قدام رأس الحسين وأسجد أمام مصلّى النّبي هود.. دون أن أشعر بأيّ تواجد أو حضور ذكوري مريب حولي..![4]

ومازلت أذكر جيّدا صورة الشّاب الجزائري المغترب في سوريا أيّامها، وهو يقف على جبل قاسيون.. رامقًا من بعد سحيق تمامًا كطارق بن زياد الخضار المشّع للجامع الأموي من قلب المدينة، وهو يشتم ويلعن في حنق خارق بشّار الأسد ويطلق عليه كفريّات[5] جزائريّة بليغة.. واسمًا إيّاه بالكافر الذي سمح للبابا[6] بدخول الجامع بـ «صبّاطه» منتهكًا بذلك قدسيّة هذا الفضاء الفسيح!

ومازلت أذكر أني مازلت أستغرب دومًا أني دخلت الجامع الأموي ودخلت بعدها جامع الأزهر (2011).. في قسميهما المخصّصين للرجال[7] وكذلك اخترقت أكثر من فضاء ذكوري لأكثر من جامع في غير بلاد.. ولم أعرف إلى اليوم كيف أتجرّأ على زيارة/ اختراق جامع «كتشاوة» أو «الجامع الكبير» أو «الجامع الجديد»..  فمازلت لا أعرف هل سيمسح لي بزيارة الفضاءات الذكوريّة لهذه الجوامع الجزائريّة العريقة كأي سائحة أجنبيّة يحقّ لها أن تتعرّف على معالم المدينة في كامل أجزائها المسموحة والمحرّمة.. ويبدو أنّي مُصابة فعلا في الجزائر بفوبيا الحدود القاصمة.. مثلي مثل كثير من الجزائريين.. وعليّ في الواقع أن أجرّب.. ثم أحكي لكم حتّى أكون منصفة وعادلة مع أمكنتي الجزائريّة.. فأنا لم أتجاسر بعد على ممارسة هذه التجربة الأنثويّة في الجزائر؛ فقد ربيت في حيّ من أشهر جوامعه: جامع السنّة!![8]

 

باب الوادي/ الجزائر

كافيه يونس/ بيروت

التسعة غير عشرة ليلاً

28 ديسمبر 2015

 

 

 

[1] لا يسري قانون عدم الاختلاط على الفضاءات الصوفيّة؛ إذ لا تمنع أغلب الطرق الصوفيّة بالجزائر الاختلاط في حلقات الذكر والحضرة؛ كالطريقة الرحمانيّة والعيساويّة والعلاويّة، وفي العمارة أو ما يعرف بالعزيمة أو التهوال أو الزهد (الرقص الصوفي) يوضع على جسد المرأة لحاف أخضر خفيف وغير شفاف يفصل بينها وبين الرجل!!

…عن حديث فايسبوكي مع الباحث الجزائري سعيد جاب الخير.

[2] ومحاربون في مستقبل قريب.

[3] الفيس ؛ هو الاسم الدارج في الجزائر لحزب الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ المحلّ سنة 1991، إثر توقيف المسار الانتخابي.

[4]..وكلّها مشاهد في حضرة هذا الجامع العتيق.

[5] مسبّات دين.

[6] زار البابا يوحنا بولس الثاني آثار مقام يوحنا المعمدان، في أولى زيارة للبابا  للمسجد سنة2001.

[7] ولو بدفع «تشيبا» (رشوة) بسيطة في حالة الأزهر؛ لزوم العادات المصريّة في المواسم.

[8] جامع السنّة هو من أشهر جوامع حيّ باب الوادي في التسعينيّات، وهو الجامع الذي كان يحتضن الخطب الناريّة لعلي بلحاج نائب رئيس حزب الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …