السبت، 24 أغسطس 2019

ما حدث في متحف كابيتوليان

 

محمد علاوة حاجي

لم يحدث أن زُرت متحفاً إيطالياً (ولا إيطاليا نفسها). غير أنني متأكّد من أن دهشةً ما ستعتريني وأنا أقف أمام تاريخ عريق من الفنون وجهاً لوجه. لكن، هل ستكون دهشتي أكبر من تلك التي اعترت الرّئيس الإيراني حسن روحاني، وهو يستمتع بحفاوة الاستقبال لدى الإيطاليين، وقد بلغت حدّ حجب التّماثيل؟

ما حدث في متحف كابيتوليان، خلال اللقاء الرّسمي بين رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي وروحاني الذي قام، الأسبوع الماضي، بزيارة إلى روما، استغرقت يومين، يبدو غير مفهوم لأكثر من سبب وجيه؛ بدءاً باختيار متحف مكاناً للقاء، وصولاً إلى «السّهولة التامّة» التي جرى بها «تحجيب» التّماثيل داخل صناديق بيضاء، كأن الثّقافة والفنّ ليسا قيمتين أساسيتين في بلد ليوناردو دافينشي.

من الطّبيعي إذن، أن يُثير الأمر استياءً وسخريةً كبيرين في أوساط الطّبقة السياسية، وفي الصّحافة، وعبر الشّبكات الاجتماعية في إيطاليا، لا يزالان مستمرّين منذ ثلاثة أيّام، حتّى أن بعضهم رسم صورةً للموناليزا وهي ترتدي الحجاب الإسلامي، بينما عادت وسائل إعلام إلى القرن السادس عشر، لتُذكّر بالسّخرية التي قابل بها فنّانون معاصرون موافقة دانيلي دي فولتيرا(1509-1566) على رسم ملابس على رسومات عارية لـ«مايكل أنجلو» في كنيسة سيستي، معلّقةً بنبرة متهكّمة: «المؤكّد أن مسؤولي البروتوكول الحاليين في إيطاليا يدركون الآن كيف كان يشعر دي فولتيرا».

سكويري: احترام الثقافات الأخرى لا يعني إنكار ثقافتنا

بالطّبع، لا يجب إغفال الجانب السياسي (الداخلي) في المسألة؛ فالمعارضة ما كانت لتفوّت أمراً كهذا من دون أن ترى فيه «تنازلاً عن الهوية الثّقافية للبلاد». لكن، هل جانب الصواب لوكا سكويري، وهو نائب من حزب «قوّة إيطاليا» (يمين الوسط) الذي يتزعّمه برلسكوني، إذ قال إن «احترام الثقافات الأخرى لا يعني، ولا يجب أن يعني، إنكار ثقافتنا»، قبل أن يُضيف: «هذا ليس احتراماً.. إنه إلغاء للاختلافات وشكل من أشكال الخضوع»؟

النّقاشُ هنا ليس عن حضور إيران التي يفرض رؤساؤها احترام نظرائهم في العالم، بينما يجلس قادةٌ عرب أمام نظراء يضعون رجلاً على رجل قبالة وجوههم. النّقاش يتعلّق أساساً بالثقافة الإيطالية تحديداً، وبالثقافة الغربية برمّتها، وهي تتنازل عمّا تعتبره قيماً لا تقبل المساومة. علينا أن نتذكّر دائماً أن هؤلاء الذين أساؤوا إلى قيمة الفنّ، هم نفسهم من أساؤوا ويسيئون إلى قيمة الديمقراطية من خلال تحالفهم مع ديكتاتوريات المنطقة.

الذين أساؤوا إلى قيمة الفنّ، يسيئون إلى قيمة الديمقراطية

المؤكّد أن السّاسة الإيطاليين، وهم يخفون «عورات» التماثيل الحجرية، في متحف كابيتوليان(تأسّس في القرن الخامس عشر)، عن أعين ضيفهم الإيراني، الذي وقّع صفقات بقيمة تقارب 17 مليار يورو، إنّما كانوا يكشفون عن عورة عقلية غربية انتهازية مستعدّة لضرب القيم التي تتغنّى بها صباح مساء عرض الحائط؛ قيم الفن والجمال والحياة، في مقابل المصالح الاقتصادية، وغير الاقتصادية.

هنا في سطيف، حيث أُقيم، لا توجد تماثيل كثيرةٌ أخشى أن تُغلّف داخل صناديق إذا جاء ضيفٌ ما، ثمّة فقط تمثال «عين الفوّارة»، الذي فجّره الإرهابيون سنوات العشرية السوداء لأسباب قريبة من تلك التي دفعت مكتب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينتسي إلى تغليف تماثيله. لعلّه أمرٌ جيّد؛ إذ لا نملك هنا أيضاً وزير ثقافة اسمه داريو فرانتشسكيني، يصف التصرّف بـ «غير المفهوم»، أو يرفعُ صوته قائلاً: «كان بإمكانكم اختيار مكان آخر لاستقبال ضيفكم العزيز».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …