الإثنين، 16 مايو 2022

اللغة العربية و.. فصاحة آكلي اليرابيع!

رشيد فيلالي

اشتهر علماء اللغة العرب قديمًا باجتهادهم المتفاني في تحصيل العلم وإبلاغه بإخلاص وصدق ومسرّة كبيرة.

وقد قدّموا في ذلك نفائس جليلة في علم اللسانيات حتى أن البروفيسور تشومسكي اعترف لي بعظمة لسانه في حواري معه بأن التّراث اللساني العربي(القديم تحديدًا) ساهم بإضافات باهرة ومفصلية في هذا الميدان، وعلى رأسه طبعا سيبويه الذي على ما يبدو استفاد تشومسكي من مؤلفه الشّهير«الكتاب» شخصيًا، في تطوير نظريته في النّحو التّوليدي ولو بطريقة غير مباشرة.

طبعًا، كان أولائك العلماء الأجلاء يستقون مادتهم اللغوية الأولى من منابعها وموطنها الأصلي، أقصد أهل البادية، سكّان الصّحراء العربية، ممن لم تشوه لسانهم أي مدنية أو تأثيرات خارجية، حتى أن هناك من علماء اللغة من كان يفتخر بكونه شحذ لسانه على يد السّكان البدو مباشرة، وكانوا يتفاخرون بين بعضهم البعض بالقول: «نحن أخذنا اللغة من حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وأنتم أخذتم اللغة من أصحاب الكواميخ وأكلة الشواريز!«.

المقصود بذلك نهل اللغة من البدو، صائدي الضّب وآكلي اليرابيع – جمع يربوع – الذين يعتبرون أكثر فصاحة وأبلغ حديثًا ممن يأكلون الكواميخ، أي المادة التي يؤتدم بها على غرار الدّهون والمرق وغيرها، والشواريز هي جمع شيراز أي اللبن الرّائب منزوع الماء.

مع ذلك، لا بأس أن نشير في هذا السّياق أيضًا إلى أن هؤلاء العلماء الأفذاذ، لم يسلموا من أمراض النّفس البشرية، حيث كانوا ينتقدون بشراسة من يُخالفهم الرّأي وحتى من يُنافسهم في العلم ولو كان على صواب.

وعلى سبيل المثال فقط، نذكر أن يحيى بن المبارك اليزيدي وهو صاحب المقام الرّفيع في علم النّحو واللغة حتى أن هارون الرشيد كلّفه بتعليم ابنه المأمون، ومع ذلك كان ينتقد الكسائي، العالم المقرئ وزعيم مدرسة الكوفة في النّحو، ومؤدب الأمين شقيق المأمون! وكان يهجوه بقسوة هو وأتباعه، وقال في ذلك شعرًا جاء فيه: «أما الكسائي فذاك امرؤ/ في النحو حارِ غير مُزداد/ وهو لمن يأتيه جهلا به/ مثلُ سراب البيد للصادي» ويقصد بكلمة حار – بكسر حرف الراء – ضعيف التّعبير، ثقيل اللسان، كما قال أيضا في الشّخص ذاته: «إن الكسائي وأشياعَه يرقون في النحو إلى أسفل».

ومع ذلك، إثر وفاة الكسائي، رثاه الشيخ يحيى بن المبارك في قصيدة طويلة دامعة ومؤثرة، لكن.. بعد فوات الأوان.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …