الثلاثاء، 28 مارس 2017

حاجة الثّورة التونسية إلى الشّعب الجزائري

فرحات عثمان
فرحات عثمان

في الشّهر نفسه، الذي احتفلت فيه تونس، في الرّابع عشر منه، بالعيد الخامس لثورتها أو ما أسميه «انقلابها الشّعبي»، هوذا شعبها يتمرّد من جديد.

ولا غرابة في ذلك إذا تذكرنا أن الاحتفال تمّ في أجواء شعبية متجهّمة، لعدم قدرة الحكومات التونسية المتعاقبة منذ جانفي 2011 من تلبية مطالب الشّعب في الحريّة والكرامة.

البلاد لازالت ترزح تحت نير المنظومة القانونية للديكتاتورية، رغم ما حقّقت من نجاحات على المستوى السّياسي البحت، بفضل ثلاث انتخابات وطنية حرّة، منها  ما مكّن تداولاً سليمًا على الحكم، رغم هناته؛ وهذا، ولا شكّ، من غير المعهود بالوطن العربي.

حفظ الثّورة من الخطر المحدق بها

من الثّابت إذن أن الانقلاب الشّعبي التونسي فيه من الخير والشرّ لجميع الشعوب العربية، خاصة منها بمغربنا الأمازيغي العربي؛ لذلك فلا غرابة من أن تتكاتف النيات السّيئة لإجهاض التجّربة التونسية قبل استفحال ما لا بدّ أن تنتجه من استشراء المطالب المشروعة لانعتاق الشّعوب.

فخلاص الشّعوب المغاربية من ربقة جنّ السياسة لا يُعجب الكثير من المتربصين بالثّورة التونسية، بما فيهم ما يُسمى بالنّظم الديمقراطية، حيث لم تعد هناك إلا ديمومقراطية ((Daimoncratie، أي هذه المفازة التي ترتع فيه جن السياسة، فلا يهمها إلا مصالحها، لا مصالح الجماهير.

فلهذه الجن، عربية وغربية، مصالح في تونس تسهر على الحفاظ عليها. وطبعًا، لم يعد هذا بالسّهل اليوم كما كان الحال بالأمس، لأننا في زمن الجماهير، زمن ما بعد الحداثة، فيه الشّعوب أكثر نشاطًا من أي وقت مضى عبر مكونات المجتمع المدني.

لا غرابة من أن تتكاتف النيات السّيئة لإجهاض التجّربة التونسية
لا غرابة من أن تتكاتف النيات السّيئة لإجهاض التجّربة التونسية

ضرورة الأخذ بالتجربة الجزائرية!

وبما أننا نعلم أن القوة تبقي دومًا في الاتحاد، فلا بد للمجتمعات المدنية في البلاد المغاربية من الاتحاد لنصرة مستحقات الانقلاب الشّعبي التونسي لأنه استحقاق مغاربي بامتياز. فما تكون تونس بدون الجزائر أو حتى ليبيا، وهي بينهما لا مناص لها من الأخذ بما يهمهما أو لا يضرّ بهما لسلامتها الذاتية؟

فمن ناحية، العالم أصبح عمارة كونية، مصالح كل البلاد فيها مترابطة كترابط أمر ساكنة عمارة واحدة. ثم، نظرًا لما صار إليه القطر الليبي من حال التّردي وتعدّد بؤر الفساد الديني ونمو الإرهاب بها، فالدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر الشقيقة في إعانة تونس على التّصدي لذلك والحفاظ على ثورتها، بل وإنجاحها، لهو من الأهمية بمكان.

فللجزائر ما يكفي من التّجربة في ميدان التّحرّر من ربقة الإمبريالية الذي يحتم على اللبيب عدم الاستغناء عليه في فترة حالكة كهذه التي نعيشها. فقد عادت الإمبريالية إلى الاعتداء بكل شراسة على كلّ ما يُعارض مصالحها المادية، وهي أساسًا ليبيرالية جديدة متوحّشة تعمل على التّخلّص في كلّ بلد ممن لا يخدم إلا شعبه للإبقاء على ساسة لا يترددون في بيع ضمائرهم للرأسمالية العالمية الهوجاء أو حليفتها الدغمائية الدينية المتطرفة.

وبديهي أن للجزائر في ميدان التّصدي للإسلامية الظلامية الوهابية وما أفزته من داعشية ما لا يُستهان به من التقانة إذ عركت الإسلام السياسي فعرفت مدى خطورته على الحقوق والحريات.

لا بد للمجتمعات المدنية في البلاد المغاربية من الاتحاد
لا بد للمجتمعات المدنية في البلاد المغاربية من الاتحاد

اتحاد المجتمع المدني بكلا البلدين

بقي أن موضوع ومضمون الحريات المرجوة من طرف شعب تونسي عياش كما يُقال من شأنهما أن يمثلا عائقا بين الشعبين التونسي والجزائري في تضامنهما الضروري ضد الاستعمار الحديث.

إلا أن هذا لا يهمّ إلا الميدان الرّسمي، أي السّلط القائمة، وما من شأنه أن يحدث نشازًا إلا إذا اكتفينا برأي النظام القائم لا الجماهير، إذ تلتقي الرّغبة عند هذه الأخيرة بتونس والجزائر في المزيد من التّحرّر للشّعبين كما نراه عند الجمعيات والتنظيمات المدنية في كلا البلدين.

لذا، لا بدّ لها من هنا فصاعدًا من تنسيق نشاطاتها في تونس والجزائر، بل وفي المغرب أيضًا، لضمان الفاعلية والفعالية، ما من شأنه التّوصل للضّغط بنجاعة على السّلط الرسمية. فبذلك يمكن للمجتمع المدني حملها على الأخذ بالقناعة القائلة بأنه لا صد للإمبريالية الجديدة، إمبريالية السّوق الليبيرالية وإسلاموية الإسرائيليات إلا بتحرير الإسلام من الكوابل الشعائرية الي تشينه جاعلة منه ملّة ظلامية بعد أن كان تنويريًا وثورة عقلية عارمة، فكان حضارة عالمية وحداثة قبل الحداثة الغربية.

ولا غرو أن ما يميّز الإسلام الشعبي بتونس والجزائر، وبكل المغرب الأمازيغي العربي، هي صبغته الصوفية التي تمثل خير وأنجع سلاح لمثل هذا التحرّر المنشود. فالتّصوف يبقى أفضل رادع للإسلام الوهابي الدعيّ، هذه الجهالة التي لا تأخذ بتعاليم الإسلام الصحيحة، إنما تلتزم بالإسرائيليات التي رسبت فيه فأفحشته كا نرى ذلك بداعش ومثيلاتها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الطبخُ الجزائري يثيرُ انتباه العالم، بفضل كتاب

أموال طائلة، صرفتها الجزائر، دون جدوى، من أجل التعريف بالسياحة، وخاصة فنونها المطبخية، والالتحاق بالدوّل …

كوبا

رحلة أبي إلى كوبا: الملصق والأسطوانة التي لم تُشرخ بعد

لميس سعيدي كان من الطّبيعي أن يحكي لي والدي تفاصيل رحلته إلى كوبا أكثر من …