الأحد، 9 أغسطس 2020

أعداء الأمازيغية

سعيد خطيبي

الصّراع اللغوي، بين معسكري «العربية» و«الأمازيغية»، انتعش أخيرًا وازداد حدّة، بعد الإفراج على مسوّدة تعديل الدّستور، التي تضمّنت إدراج الأمازيغية كلغة رسمية ووطنية، والتزام الدّولة بدعمها وتطويرها.

علت أصوات رافضة للخيار ذاته، قابلتها أصوات أخرى أكثر «تعصبًا» في تشبثها بالحقّ في دسترة هذه اللغة، فإلى أين ستسير الأمور؟

من الخطأ حصر الأمازيغية في بعدها اللّساني فقط، فهي واحد من الثّوابت الهوياتية للأمازيغ(أكثر من 25% من التّعداد السّكاني الإجمالي)، ومن المبالغة أيضا أن يتهجّم البعض على العربية، فهي اللغة المُهيمنة في البلد، لهذا بات من الضّروري التّفكير في إيجاد منطقة وسطى، للجمع بين هاتين اللغتين، المختلفتين، والسّماح لهما بالتّعايش في أرض واحدة.

قد يبدو الأمر، من الوهلة الأولى، هينًا، وأن قرارًا سياسيًا سيسمح للعربية والأمازيغية، بالاقتراب من بعضهما بعضا، لكن الأمر ليس كذلك، فالأمازيغية تشكّل «عقدة» لدى البعض، نظرًا لارتباطها بمكوّن إثنوغرافي صدامي، وتشبّعها بتاريخ الأمازيغ العريق، ليس في الجزائر وحدها، بل في شمال أفريقيا إجمالا، يُضاف إلى ذلك أن غالبية «الرّافضين» لدسترة الأمازيغية، يستندون في رفضهم لجهلهم بهذه اللغة، مما يجعلهم أمام خيار صعب، فالعدد الأكبر من الجزائريين لا يتحدّثون الأمازيغية ولا يفهمونها، من هنا تتأتى «مقاومتهم» للقرار السّياسي، الذي يرى فيه البعض «تحرّشًا» بمكتسباتهم اللغوية العربية.

منذ الاستقلال، تأسّست الدّولة الجزائرية على المركزية، وعلى الإفراط في توظيف مفهوم «السّيادة الوطنيّة»، تكوّرت الدّولة حول نفسها، وكرّست العربية كلغة وحيدة في البلد، رغم أن الغالبية من الشّعب لم تكن تتحكّم في هذه اللغة، وتتواصل بالفرنسية، «غنيمة الحرب» التي لم تتنازل عليها شرائح واسعة من الشّعب، ومعها الإدارة، كما إن الإسراف في التمسّك بنموذج «الدّولة القومية» أو «الدّولة الأمّة»، في بلد يعرف تنوعًا عرقيًا، عزّز منطق «الإقصاء» الممنهج للاختلاف، ووضع «الأمازيغية» لعقود، في خانة غير المرغوب فيها، مما ساهم، بالمقابل، في الرّفع من حدّة التّعصب عند الأمازيغ، الذين خرجوا في «ثورتين مجهضتين»، عامي 1980 و2001، للمطالبة بحقّهم في المساواة اللغوية.

قد يذهب البعض للقول أن ترسيم لغة واحدة يُساعد على تمتين «وحدة الأرض والشّعب»، وهو منطق صائب، مال إليه ماهاتما غاندي(1869-1948)، عقب استقلال بلده، في مسعاه لتوحيد الهند المتعدّد لغويًا، هو طرح سيقلّل – نظريًا – من حدّة الصّراعات الدّاخلية، ومذهب تبنته دول أوروبية ألغت التّعددية اللغوية داخلها لصالح لغة واحدة جامعة.

لكن، في الجزائر الأمر مختلف، فالأمازيغ يستمدون مطلبهم اللغوي من عمقهم التّاريخي، ومن أحقية سوسيو – تاريخية في امتلاك المكان قبل وصول العرب والعربية إليه بقرون، واستبعاد لغتهم ينظرون إليه باعتباره تناقضًا مع واحدة من مواد دستور الجمهورية التي تقرّ بالمساواة، وهو ما لا يُشاركهم فيه المدافعون على خيار اللغة الواحدة للبلد: العربية، الذين ينظرون للأمازيغية باعتبارها من بقايا «ماضٍ متوحّش».

في ظلّ هذا التّفكّك، وإصرار كلّ واحدة من الطّرفين على موقفه، باتت الجزائر تقسّم، من الدّاخل، جغرافيًا، بحسب اللغة المستعملة في كلّ منطقة، ويتداول الجزائريون، فيما بينهم هذه التّقسيمات المناطقتية: هؤلاء عرب وهؤلاء أمازيغ! هذا الواقع يعزّز الصّدامات، بسبب اللغة وباسم الانتماء، في المدرسة وفي الجامعة، في الشّارع وفي الإدارة.

العنصر الأمازيغي ليس يحدّ فقط في اللغة، هو – كما أسلفنا – جزء ثابت من هوية واحد من شعوب شمال أفريقيا، فهل ستنحاز الجزائر لخيار «الوحدة في التّنوع»؟

بالعودة إلى النّموذج اللغوي في الهند، سنجد تقاطعات مع الحالة الجزائرية، باعتبار أن الصّدام اللّساني في الهند تكرّس، خصوصا بعيد استقلال هذا البلد، وتفادت الهند مزيدًا من التّمزقات بتخليها عن السّلطة الأحادية، التي كانت تقوم على ثلاثية: «الدّولة، اللغة، الوطن»، وأطفأت بؤر توتر بتبنيها لغتين وطنيتين رسميتين، مما سمح لها بالحفاظ على استقرار وتوازن نسبيين، ويمكن للجزائر أن تكسب كثيرًا من الوقت باستلهام الدّرس الهندي، كي لا تتوه في حلقات مكرّرة، وتتجنّب إشعال مزيد من الخصومات بين «العربية» و«الأمازيغية»، وهي خصومات لم تظهر، كما يشير البعض، غداة الاستقلال، بل ظهرت قبل الاستقلال، فهل سيكون الدّستور القادم نقطة بداية وقف الأزمة اللغوية في البلد؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …