السبت، 23 أكتوبر 2021

ايدموند شارل رو: أتأسف لأنني لم أتمكن من تعلّم اللغة العربية

ايدموند شارل رو

توفيت الكاتبة الفرنسية «ادموند شارلو رو»(1920-2016)، يوم الأربعاء 20 جانفي 2016، عن عمر يناهز 95 سنة، ألفت العديد من الكتب والروايات، حازت على جائزة غونكور سنة 1966 عن روايتها «ننسى باليرم»، كما شغلت منصب رئيسة اكاديمية غونكور منذ 2002 وإلى غاية سنة 2014، تاريخ استقالتها من الأكاديمية بسبب وضعها الصحي. عُرف عنها خاصة اهتمامها الكبير بشخصية ايزابيل ايبرهاردت، ككاتبة وإنسانة، حيث خصّتها بثلاثة كتب أساسية: رغبة الشرق(1989)، رحّالة كنت(1995)، وإيزابيل الصحراء(2003).

في هذا الحوار الذي أجرته معها صحيفة «ليبيرتي» أثناء زيارة خاطفة قامت بها الى الجزائر، تحدّثت من خلاله، عن أسباب شغفها واهتمامها بالجزائر وبايزابيل ايبرهاردت، عن أوجه التشابه بين مساريهما، عن كتاباتها ونصوصها، وعن قضية الجوسسة، وأشياء أخرى.

مسار حياتك امتزج بمصائر أخرى غير عادية، لا سيّما ايزابيل ابرهاردت، وكوكو شانيل، ما الذي يجمع في رأيك بين هاتين المرأتين؟

كلاّ، ليست هناك أية علاقة بينهما، على الإطلاق، ذلك أنهما اتّخذا طريقين متعارضين تماما. «كوكو شانيل»، مثلا، كانت فقيرة، ابنة الشعب، تسلّقت شيئا فشيئا سلّم المجتمع، إلى درجة أصبحت فيه السيدة الأولى لعالم الموضة. وعلى عكسها تماما، عاشت ايزابيل ايبرهاردت طفلة وسط طبقة ارستقراطية، سرعان ما نزلت إلى طبقة أقل بمحض إرادتها، لتتحوّل إلى مغامرة، متشرّدة، أو لنقل كاتبة رحّالة.

كيف جاء شغفك بشخصية ايزابيل، وكيف عشت هذا الشغف ؟

عاشت أسرتي في حميمية، وصداقة واحترام للماريشال ليوتي، والذي يمثّل بالنسبة لي الرجل الذي أنقذ أعمال ايزابيل، إذ لو لم يُرغم أفراد جيشه، على البحث عن مخطوطاتها بين الطّين، لمحاولة استرجاعها، سوف لن نكون هنا اليوم، لنتحدّث عنها، لقد كانت للرجل دراية متميّزة بالأدب، وكان شغوفا جدا بالكتابة، وكاتبا رائعا للرسائل، كان يكنّ إعجابا عميقا لايزابيل ككاتبة.

عندما كان عمري أربع أو خمس سنوات، كانوا يتحدّثون عنها أمامي، عن اختفائها، وعن كتاباتها، راودني إحساس – كما يمكن أن يحدث وسط أية أسرة مثقفة – بأن ثمة امرأة لها مصير استثنائي، بعد ذلك قرّرت أن أقوم بأبحاث حولها، وهكذا انتقلت إلى روسيا، أين عثرت على مجموعة من الوثائق، عن عائلتها خاصة أمها، أعتبر نفسي أنني المرأة التي اكتشفت من هي أم ايزابيل، ولعلها كانت الشخصية المركزية في مجمل أعمالها، الشخصية التي كانت مولعة بحب أمها، والتي كانت امرأة تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية الروسية. وهكذا قرّرت أن أقيم في روسيا، بغية الاشتغال عن قرب في ملفات الجيش الروسي، حيث عثرت على الملف الكامل للجنرال دي ميردير، وهو أوّل زوج لأم ايزابيل.

الرواية الفائزة بجائزة غونكور

علاوة على الإرث العائلي الذي أشرت إليه، نجد هناك تشابهًا في مسار ايزابيل ايبرهاردت ومسارك، هل كان ذلك حافزك للتوجّه صوب البحث في سيرتها؟

مراسلة حرب لم أكن كذلك، ولكن ايزابيل كانت أوّل امرأة مراسلة حرب في تاريخ صحافة الحرب، لقد كانت تشتغل في صحيفة «الأخبار»، صحيح أنني قضيت نحو 12 سنة أشتغل على ايزابيل، ومع ذلك شغفي بقي هو نفسه، جميع المواضيع ستنتهي، بتراجع اهتمامنا بها ذات يوم، ولكن الأمر، يختلف تماما في حالة ايزابيل، انبهاري بها، لا يزال قويّا، تماما مثل اليوم الأوّل.

وهل هذا هو الذي دفعك إلى أن تتحوّلي إلى مرجع لسيرتها الذاتية ؟

أعتقد أن هذا ما يجب قوله الآن، إذا أردت أن تتحدّث عن شخص ما، يجب أن تقول وفي جميع الأوقات، أن بعدي لا أحد يمكنه أن يضيف شيئا، يجب أن تحاول أن تصبح الكاتب المرجعي، بعد أن تذهب إلى أقصى مكان ممكن، وهو ما قمت به، وهنا يجب أن أنوّه  بغاستون دوفير، فلو لم أكن زوجته، وهو وزير للداخلية، سوف لن استقبل إطلاقا في روسيا بهذه الثقة. أن تستخرج الملفات الروسية خاصة تلك المتعلقة بالجنرال ميردير، معناه أن تنفض الغبار عن ملفات السنوات من 1930 إلى 1935، إضافة كما تعرف أن مدينة سان بتارسبورغ، تعرّضت لحرب رهيبة، من هنا أحيّى الباحثين الروس، الذين عثروا على الملفات في عهد بريجنيف، لأنهم قاموا بتسليمها لي.

روسيا تجهل ايزابيل ايبرهاردت، سويسرا تنساها، والجزائر ترفضها، ماذا يعني هذا بالنسبة إليك؟

هذا يؤسفني، ذلك أننا نشعر في فرنسا بأن التيار المؤيّد لهذه الشخصية النسائية،  يزداد ويتضاعف، أرى ذلك من خلال هؤلاء الشباب الذين يشترون هذا الكتاب الضخم «ايزابيل الصحراء» رغم سعره الباهظ، والذي يحملونه لي لإمضائه، أعتبر نفسي الشاهد الأول للصعود القوي لايزابيل، والذي تستحقه فعلا، كنت أتمنى أن البلد الأول الذي يحتفي بها هو الجزائر، الجزء الأكبر من كتابي من أجل هذا، لقد ألّفت كتابي ليصبح مقبولا في متناول الشباب الجزائري، الذي يأتي لفرنسا للدراسة.

عندما طلبوا مني كإجراء اقتصادي، حذف الصفحات الملحقة بالكتاب، أين تتواجد كافة الملاحظات، رفضت ذلك، كونها ستكسب ثمانية أيّام من العمل للطلبة الجزائريين، الذين يأتون إلى « اكس دو بروفانس» للدراسة. أقول أن الضجيج الذي راج بخصوص تنظيم أيام دراسية هناك في الجزائر تم إلغاؤه، لا أعلم الأسباب التي حالت دون ذلك، ولكنني اعتقد أنها شخصية مهمة في التاريخ الجزائري، إذ أنه من العبث محاولة مسح ما يزعجنا في التاريخ.

لفترة طويلة نظر الى ايزابيل، بنظرات فيها الكثير من الغرائبية، وهي الغرائبية التي حاربتها، أليس هناك تناقض؟

بالفعل ، لقد اعتبرتهم ايزابيل مثار سخرية، هؤلاء الذين كانوا يرون في افريقيا الشمالية الحريم و الينابيع العذبة فقط…  بينما كانت هي تمشي بين الناس في الشوارع وتعاشر الأوساط  الشعبية… لقد رأت كيف تشتغل القابلة، كيف يموت رجل بدون مأوى، يبدو مستحيلا ذاك الفصل الذي يتحدّث عن الرجل المسن، الذي أرادت إنقاذه، وخروجها من الكهف حيث أودع الأطفال… لقد شاهدت حقا بلدًا في زمنها.

ايزابيل الصحراء

وماذا عن اتهامها بالجوسسة، وهو النقاش الذي لم يفصل فيه بعد؟

هذا دليل آخر على جهل تام للظروف الحقيقية لحياة امرأة مثل ايزابيل في الصحراء. إبّان الفترة التي توفيت فيها، لم يعد لها أسنان، بحيث كانت تعيش حياتها بقساوة شديدة، كانت تتبع القوافل على قدميها، تدخّن الكيف…  أن يزعم أن امرأة بهذا الوصف وفي هكذا وضعية، كانت تقدّم معلومات للجيش، يعني أن الجيش كان غبيا، وهو الذي كان على رأسه آنذاك رجل ذكي مثل ليوتي، الجميع يعرف أنها لم تكن امرأة ثقة، كانت حكواتية، لقد قيل للمارشيل ليوتي هذا، لا علاقة لتنقلاتها في جنح الظلام، رحلاتها إلى الصحراء، مع الشرطة. أعتقد إنه اتهام أحمق، كاذب ولا أساس له، يشكّل جهلا بالوسط ، ويُعتبر إهانة لذاكرة ايزابيل وليوتي.

التحقّق من نصوص ايزابيل، يدخل في صلب النقاش كذلك؟

مهم جدا، فلو نعود إلى أوّل عمل صدر لها وأعني «في الظل الدافئ للإسلام» بمبادرة من ناشرها فيكتور باريكوند، والذي تجرّأ على إحداث بعض التعديلات، على نصوصها، خوفًا فيما يبدو من المعارضة الفرنسية، باعتبار أن ايزابيل كانت قاسية جدًا، فيما يخصّ موقفها من التواجد الفرنسي بالجزائر، فقد صرح  باريكوند قائلاً : «لو سلّمت المخطوط كما هو، سيكون هناك رد فعل فرنسي فظيع».

وماذا عن المخطوطات الأخرى؟

لقد عثروا عليها كما هي مع تواجد آثار الرمل فوقها، هذا أمر بالغ الأثر،  نرى أن كل شيء على ما يرام ، وحده صديقنا محمد رشد، الذي أعاد مخطوطات ايزابيل إلى وضعها الصحيح، لقد قام بعمل رائع.

1904-2004، قرن من الزمن انقضى على وفاة ايزابيل، هل ثمة أوجه تشابه؟

الأشياء لم تتغيّر كثيرًا، أوروبا تحت تهديد إرهابي، مثل ايزابيل التي كانت تحت تهديد إرهابي، ضغط بوليسي مرعب، الوضع العالمي يبدو حاسما، يمكننا أن نطرح سؤالا عما ستقوله ايزابيل، حتى وإن كنا نرى بوضوح القضايا التي ستدافع عنها، ستكون بالتأكيد إلى جانب العراق…

هل ثمة أشياء تتأسفين عليها، وترغبين في استعادتها من جديد، إن توفرت الإمكانيات؟

أجل، أتأسّف لأن الحرب  تسبّبت في انقطاعي عن الدروس، كنت موهوبة جدًا في مجال اللغات، أنا الآن أتحدث أربع لغات، أتأسف كوني لم أتمكن من تعلم اللغة العربية، أشعر أنها تنقصني بشكل رهيب في مساري الأدبي، ليس لدي دراية حقيقية بأدب ما قبل الإسلام، رغبتي أن أتحدّث بها في الشارع، بدون الاعتماد على مترجمين، إنه درس للشباب، عندما يأتي الشباب لرؤيتي خاصة طلبة الثانويات – يأتون أكثر فأكثر منذ أن أنشأنا غونكور الشباب – أقول لهم أن هناك أشياء لا يمكننا اللحاق بها أبدًا، بالنسبة لي توجد لغتان تنقصاني بشكل فظيع إنها: العربية والروسية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة   الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير …

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …