السبت، 20 يوليو 2019

سعيد مقبل، وصايا ما قبل الرّحيل

سعيد مقبل

العشرية السّوداء انتهت، لكن تبعاتها ما تزال حاضرة. طوت الجزائر صفحة «الإرهاب» وصوّتت بالإجماع على مشروع المصالحة الوطنية(2005)، نجحت في حلّ بعض الأزمات الدّاخلية، لكنها فشلت في الإجابة عن كثير من الأسئلة المتعلّقة بالمرحلة السّابقة.

قبل ثماني سنوات، صدر، في فرنسا ولبنان، كتاب يحمل عنوان: «سعيد مقبل: موت تامّ»، وصل أخيرًا إلى الجزائر، وصدر في طبعة جديدة، عن منشورات فرانز فانون(2015). الكتاب ذاته يضمّ ثلاثة حوارات، تحمل طابعًا سياسيًا، أجرتها الصّحافية الألمانية مونيكا بورغمان مع الصّحافي سعيد مقبل(1940-1994)، الذي راح «ضحية سنوات الإرهاب».

اختيار سعيد مقبل، لإجراء حوارات معه (التي تمّت سنة واحدة قبل اغتياله) لم يكن عبثيا. بل كان اختيارًا مبنيا على عدد من الأسباب، أهمّها كونه صحافيا جزائريا عايش مرحلتين مهمتين من تاريخ البلد: مرحلة الاستقلال عام 1962، وبداية تبلور حلم بناء جمهورية ديمقراطية، ثم مرحلة بداية سنوات التسعينيات، التي كشفت عن خيبة الرّجاء وإجهاض المشروع الديمقراطي. أضف إلى ذلك أن سعيد مقبل كان يشغل، مطلع التّسعينيات، منصب مدير واحدة من أهم الجرائد اليومية، وهي جريدة «لوماتان» النّاطقة بالفرنسية، التي تعرّضت لكثير من المضايقات قبل أن يتم توقيفها نهائيًا، العام 2004.

غلاف الكتاب

أولى الملاحظات التي نلتمسها من الحوارات الثلاثة أنها تضمنت كشفًا عن حقيقة مشاعر سعيد مقبل، وتنبؤه ﺒ«الاغتيال»، الذي سيتعرّض له، خصوصًا بعدما طالت أيادي الغدر زميله وصديقه المقرّب الطّاهر جاعوط (اُغتيل ربيع 1993). وأظهر سعيد مقبل، في الحوارات المنشورة، استعداده الدّائم في مواجهة الموت، حين صرّح للصّحافية الألمانية: «لابدّ من تحضير أنفسنا. هذه قضية ضرورية. إذا تكاسلنا في تحضير أنفسنا فإننا سنضيع. أعتقد أن إحدى أهم الأسباب التي ساهمت في تأخير أجلي تتمثّل في إدراك أهمية التّحضير».

جريدة «لوماتان»، التي تعتبر سليلة جريدة «ألجي روبيبيلكان»(Alger Républicain)، دفعت الثّمن غاليًا سنوات التسعينيات، وفقدت ثلاثة من صحافييها، فقد عُرفت بخطّها التّحريري المعارض للسّلطة، وأضاف سعيد مقبل في كلامه: «أنا الوحيد الذي يشغل منصب مسؤول جريدة ولم أشتغل يومًا في جهاز السّلطة. وأنا الوحيد الذي يمثّل رجل إجماع بين أوساط الصّحافيين الذين يرفضون الاشتغال في جهاز السّلطة».

سعيد مقبل فضّل التّوقّف عن الكتابة الصّحافية عام 1965، بعد توقيف جريدة «ألجي روبيبليكان»، وبقي صائمًا عن الانخراط في غوغائية الدّوائر الإعلامية الرسمية إلى غاية عام 1998، غداة أحدث أكتوبر الشّهيرة، ثمّ وعودة «ألجي روبيبليكان» للصّدور مجددًا. فترة ثلاث وعشرين سنة استغلها مقبل في الكتابة بصمت، حيث واصل البوح: «ما بين 1965 و1988، كنت أكتب مقالاً كلّ يوم. أعرف أن تلك المقالات لن تنشر. كنت أكتبها لنفسي. لأصون ذاتي وأحافظ على نفسي».

كان سعيد مقبل يشير لمخاوفه من الاغتيال، لكن، في الوقت نفسه، يستبعد فرضية أن يفكّر الإسلاميون في تصفيته، مثلما حصل مع صحافيين آخرين.

تحدّث سعيد مقبل في الحوارات الثلاثة التي تضمّنها الكتاب نفسه عن أشياء كثيرة، وكشف النّقاب عن حقائق كثيرة أيضًا. عاد إلى اغتيالات الصّحافيين سنوات التسعينيات وتلوّنات السّياسة الرسمية في البلد، والعمليات التي استهدفت أفرادًا كانوا يؤمنون بمفهومي «الجمهورية» و«الديمقراطية»، التي راح ضحيتها كثيرون، على غرار امحمد بوخبزة، جيلالي اليابس، يوسف سبتي، محمد بوضياف وغيرهم. والسّؤال الحقيقي يتبادر إلى ذهن القارئ بعد الانتهاء من مطالعة الكتاب: من المستفيد من كلّ ما حصل؟ ثمّ، ماذا جنت الجزائر من عشر سنوات من العنف والعنف المُضادّ؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …