الأحد، 9 أغسطس 2020

مُحاولات جوليان بارنز.. بين الارتفاع والسّقوط

جوليان بارنز بصحبة زوجته

بعد وفاة زوجته، أصدر الإنجليزي جوليان بارنز(1946-) كتاباً بحجم كفّ اليد، حمل عنوان: «مستويات الحياة»(2013)، لا هو رواية ولا قصص ولا نقد.. هو كلّ هاته الأشياء مع بعض.

الكتاب يتضمّن ثلاثة نصوص، والنّصوص مربوطة بخيوط حكي عن «البالوناتيك»، وهم مجانين المناطيد في القرن التّاسع عشر، وعن محاولاتهم لعبور بحر المانش، الفاصل بين فرنسا وبريطانيا..

يتضمّن الكتاب نفسه قصّة حبّ بين أحد هؤلاء البالوناتيك، وهو ضابط إنجليزي، وممثلة المسرح الشّهيرة سارة برنهارت(1844-1923).. يتحدّث الكاتب عن الموت أيضاً، أو«عندما يحدثُ كلّ شيء»، موت زوجته وكيف حمل الحزن لسنوات، الحزن الذي يقول عنه بارنز أنّه عمودي ينزل علينا كصاعقة تسكن أحشاءنا ولا يتركنا.. وقد نموت به، عكس الحداد، الذي يكون أفقياً كموجة تحملنا في اتجاه جديد ثم تنحسر.

النّصوص الثلاثة مكتوبة أيضاً وِفق تسلسل عمودي، أول نصٍّ عن رغبة الإنسان في الارتفاع والنّظر من علٍ، النصّ الثّاني عن الحبّ والنّظر على مستوى «ارتفاع الإنسان»، ومع نهاية قصّة الحب بشكلٍ قاسٍ حيث يكتشف الضّابط أنّه ليس إلاّ عدداً على قائمة عشّاق الممثلة ذاتها.. لندخُل في النصّ الثّالث حيث يجعلنا الحُزن نفقد العُمق ونسقُط، ﻓ«عندما يحدُث كلّ شيء» يضربُ أحدُنا فكّه بالإسفلت ويُسوّى نظره بالأرض.

الكاتب وغلاف الكتاب

في حوار له مع مجلة «باريس ريفيو» الأدبيّة، يقول جوليان بارنز أنّ الكتابة التخيليية هي أقرب طريق لقول الحقيقة من وجهة نظره، ويضرب مثالاً بروايته الأشهر«ببغاء فلوبير»(1984)، يقول أنّه لم يكتب رواية تاريخية عن غوستاف فلوبير بل كتب عن مرحلة تاريخية ما، كما يراها هو، من وجهة نظر غير محايدة.. وهذه هي أقصر الطُرق لقول الحقيقة.

جوليان بارنز لا يهتمّ بالحقيقة ولا بالكذب كثيراً، لأنّه يتعامل طيلة النّهار مع أحداثٍ لم توجد إلاّ في عقله. يقول أيضاً أنّ تلقي «ببغاء فلوبير» مثلاً اختلف من مكان لآخر، ففي فرنسا حاز على جائزة ميديسيس ﻟ«المُحاولة»(1986).. يعني أنهم لم يتعاملوا مع الكتاب باعتباره رواية.

كلمة «مُحاولة» هي الكلمة التي أستعملها لترجمة عبارة (essai) الفرنسية، هي ترجمة حرفيّة، قد يعتبرها الكثيرون خاطئة لأن (essai) جاءت من فعل (essayer)، بمعنى حاول، ويفضّلون استعمال تعبير «كتاب نقدي» أو أي تصنيف آخر. أنا عندي فوبيا من التصنيفات، وكلمة محاولة تلائمني، كل شروعٍ في نصّ هو محاولة، كل كتابة هي محاولة، وبما أن كلّ النّصوص التي نعرفها (وتلك التي لا نعرفها) هي نصوص غير مكتملة، تبقى الكتابة فعل محاولة قائم، دائماً ما يُغيّر العالم على كل المستويات مهما كانت وجهة التغيير: أفقية أم عمودية.

المُحاولة قد تعني التّجريب، وقد تعني فعل الكتابة المجرّد. في كتاب «مستويات الحياة»، قام بارنز ببحث عن البالوناتيك، أرّخ لفترات من حياتهم بلُغته (حقيقته) هو، ثم أعاد مسرحَة علاقة الضّابط الإنجليزي بممثلة شهيرة، وكتب نصاً طويلاً بعنوان «فقدان العُمق»، عن فقدانه لزوجته التي عاش معها لأزيد من ثلاثين عاماً.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …