الأحد، 9 أغسطس 2020

أسئلة في المقبرة

لماذا يجب أن نزور الموتى؟

عندما كنّا نذهب، أبي وأنا، إلى مقبرة «قاريدي» بالقُبة(مدينة الجزائر العاصمة)، لزيارة قبر جدّي(المتوفي عام 2001)، سواءًا في الأعياد أو في سائر الأيّام الأخرى، كنّا نجد المقبرة شبه فارغة.. دائماً.

ندخل بالسيّارة إلى أقصى نقطة فيها، بما أن موقعها مفروشٌ على جبل صغير، ينحدر من حيّ «قاريدي» إلى طريق سريع في الأسفل، فزيارة قبر كقبر جدي أمرٌ مٌتعب، وهو المدفون في أسفل المقبرة، من الجهة الشّمالية منها، أي جهة العمارات وليس من جهة الطّريق السّريع.

كنّا ندخل بالسيّارة إذن، نتجاوز المدخل والشّحّاذين القلائل اللذين يُرابطون في أمكنتهم منذ عقود، حتى أنّ بعضهم تأتي سيارات لحمله، مثلما روى أحد أقربائنا أحد الذين تعوّدوا على وجودهم بِحُكمِ زيارتهم للمقبرة  وبمّا أن «الفريق الميّت» من العائلة مدفون في تلك المقبرة منذ أن حُفِر تُرابها لأوّل مرّة..

كُنّا نزور قبري جدي وجدتي(التي توفيت عام 1987)، مُستعيرة رقم «7» من تاريخ ميلادها(1917)، حتى جدّي استعار لتاريخ وفاته رقم «1» من تاريخ ميلاده(1911).

كانت تلك الزّيارات مُبهمة بالنسبة للطّفل الذي لا أزالُه.. عندما كنّا نمرّ من أمام مُربّع التّراب المقابل للمُربّع الذي دُفن فيه جدي، كنت أرى نساءاً يمسحن دموعهن وعجائز أيضاً، ومعهم أطفال صغار.. ذلك المربّع بالذّات كان النّاس يزورونه كثيراً.. في جزائر الألفين، عندما كان العيد يحلّ في الشّتاء، كنّا (أبي وأنا) وبعض العائلات، وعائلات ذلك «المُربّع» زوّار المقبرة الوحيدين.

لاحقاً، سوف أعرف أن ذلك «المربّع» الذي تزوره نساءٌ باكيات هو المكان الذي دُفن فيه رجالُ الشّرطة اللّذين سقطوا في التّسعينيات، أيّام «الإرهاب».. أو ما ينعتون ﺑ «ضحايا الارهاب»!.. هذه العبارة التي كبرنا معها.

اليوم فقط، سأنتبه إلى تواريخ الميلاد، أغلبهم مولود بين نهاية السّتينيات وبداية السّبعينيات و«كلّهم» سقطوا بين عامي 1992و1997.. أغلبُ الشّواهِد كُتب عليها كلمتان «شهيد الوطن». اليوم رأيت النِسوة أنفسهنّ اللواتي رأيتهنّ منذ سنوات – العجائز صرن قليلات، لكن الأولاد والبنات اللذين كانوا من سنّي صاروا رجالاً ونساءاً –، يوم كان أبي يسحبني ورائه، وأنا ألبس ثياب العيد الجديدة وسؤال كبير داخل رأسي الصّغير الذي يُشبه حبّة بومبلوموس: «لماذا يجب أن نزور الموتى»؟

لم يُشكّل لي الموت مُشكلة، مات جدي وأنا طفل صغير، ولم يخفوا عنّي شيئاً.. مساحات الخيال الدّيني التي فتحوها في رأسنا، كتلاميذ في مدارس جزائرية عمومية، والرّسومات المتحرّكة جعلت منّا جيلاً «يفهم»  كلّ شيء، ولا يُصدم كثيراً، فمن يُلقّن، وهو ابن ست سنين، معجزات الأنبياء، ثم يُشاهد عبقور ولولو وطبّوش وداي الشُجاع.. يستطيع أن يلعب دور الولد الذكي، ويُمرّر«انسحاب» جدّه الذي كان يأتي به كلّ يوم من المدرسة، لكن تلك الصّدمة التي كان يجبُ أن آخذها في وقتها، كأغلب الأطفال، عادت لاحقاً مع السّؤال نفسه: لماذا يجب أن نزور الموتى؟ السؤال لم يبقى بسيطاً على حالته الأولى، بل تشعّب إلى عشرات الأسئلة، مثل: لماذا يجِب أن نُدفن؟ مع حضوري في جنازات أقرباء آخرين، أو جنازة جدي لأمي منذ عام أو فقط عندما أسمع بأحدهم قد مات في الخارج وعائلته تريد جسده، تُطالب بجسده..

فكرة المُطالبة بالجسد، أو كيف أن الإنسان عندنا ليس حراً في جسده، لا في الحياة ولا في الممات، أي أنّ «جسد الميت بعد الموت يعود لأهله»!.. هذه الجملة الأخيرة من أكثر الجمل المُبهمة في حياتي، قد تلخّص تصوّراً ومفهوما كُلياً للحياة.. وللموت. مفهوماً قد يسمّيه البعض ديناً، وهنا تكون الجدوى، كلّ الجدوى، من هذا الدّين، هي الاستعانة به على الخوف من الموت وما بعد الموت.

فكرة تشكيل جماعات كبيرة تعتني ببعضها البعض في الحياة لكن الأهمّ هو أن تدفن بعضها البعض، «أن يدفن بعضكم بعضاً».. مُرافقة الميّت الى آخر محطّة، وضعه في حفرة والإغلاق عليه، التّأكّد من أنّه لن يخرج.. الوقوف عند قبره يعني شهادة على موته، واطمئنان إلى وِحدة المصير..

لا أظنّ أنّ السّبب الدّيني هو ما يدفع بالنّاس لزيارة المقبرة

«ألهاكُم التّكاثر حتى زُرتم المقابر» الآية الشّهيرة(سورة التّكاثر)! زيارة المقابر (قبل الزيارة الأخيرة والدائمة) والمشي وراء الجنائز والوقوف على القبور والدّفن وكلّ الطّقوس المُتعلّقة بموت الآخر تُديم السردية الكُبرى المُسمّاة: الدّفن، كمحطة فاصلة بين عالمين: الدّنيا والآخرة، وكملعب أخير للحقيقة الوحيدة التي يتفّق عليها سُكّان الكوكب الأزرق جميعهم: الموت.

سمعت، مرّة، في عزاء ميّت، كان أهله ينتظرون عودة جسده من المُستشفى أين توفي، سمعتُ امرأة تصرخ: «ندفنوه ونرتاحو، تطفى الجمرة!».. يعني التّأكيد على الدّفن والطّقوس المُرافقة هي من تجعل الأهل «ينشغلون» عن حزنهم.. الإجراءات ثم الغسل والجنازة والدّفن، ثم فتح العزاء وتوزيع الأكل، ثم تمديد العزاء ليوم ثالث وأربعينية، عشرات الأشياء التي تجعل المعنى (معنى الموت ككّل) مُرتبطا بالطّقوس، مُبعدة إيّاه تماماً عن وجه الميّت.. «ندفنوه ونْرتاحو»، كأنّ المُشكلة العظمى في دفن الميت وليست في كونه مات! دعمُ السّردية وتأكيدها وتنفيذها كوصيّة قابيلية هو الأهمّ من الحُزن على الميت..

هكذا، تصير زيارة المقابر أيضا فاصلة ضرورية بين «تكاثُرينْ»، الزّيارة كصوت نجتهد في جعله يبدو أنّه آت من العالم الآخر حتى نخشع أكثر، ونتذكّر مصيرنا.. كأنّها تأكيد لثوابت مساحة الخيال تلك، التي فُتحت فينا ونحن صِغارا.. يعني لا نزور«الميت» بل نذهب لنقوّي إيماننا و«نستعمل» شاهد قبره كإشارة تحذير في طريق سينتهي عاجلاً أم آجلاً، ادفنوا بعضكم بعضاً، وليعتبر واقفكم من راقِدكم..

لكن، لا أظنّ أنّ السّبب الدّيني هو ما يدفع بالنّاس لزيارة المقبرة رغم أنّهم يحضنون هذه السّرديات كُلّها، لكن ليس فكرة أن «يتعظوا» أو «يعتبروا» بالراقدين تحت التّراب.

فكرة «الذين كانوا معنا ثم تركونا» هي ما يدفعهم للزّيارة.. هنالك من يزور قبور من دفنهم، أو من لم يلحق على دفنهم، يفعل ذلك لألف سبب وسبب غير السّبب الديني الذي يكون نتيجة لتنفيذ عشرات الطّقوس تلك.. أتذكّر مشهد المقبرة في فيلم «فيفا لالجيري» لنذير مخناش، فيلم صدر عام 2003، هو الجزء الثاني في ثلاثية رآها البعض أنّها ترسّخ لكليشيهات عديدة حول الجزائر من قبل الفرنسيين.. لا يهمني! ارتبطتُ بأعمال مُخناش بدرجة كبيرة، ربما لأنّي لو سُئلت عن مدينة الجزائر العاصمة بعد الحرب الأهلية، سأُجيب بلا تفكير، سأُجيب في ثانية من الزّمن: شوفوا «فيفا لالجيري»..

في مشهد المقبرة من الفيلم نفسه، وبالصّدفة هي مقبرة «قاريدي» نفسها، تجلس بيونة (الأم) وابنتها قوسم أمام قبر الوالد وهنّ يُشرفن على الطّريق السّريع، سيارات كثيرة تروح وتجيء.. الطّريق نفسه الذي أقضي فيه اليوم (وبعد أكثر من عشر سنوات) أكثر من ساعة حتى أجتازه بالسيّارة.. الأمّ، الراقصة السّابقة، والبنت الضّائعة بين ملاهي المدينة ومغامرات فاشلة مع رجال متزوّجين، الهاربتان معًا من حمام الدمّ، في بلدة «سيدي موسى»، ورغم أنّ «بوتفليقة قام بالمصالحة» مثلما تقول بيونة هازئة في الفيلم، والجزائر تعيش فترة ما بعد الحرب الأهلية، إلاّ أن الأمّ عندها بارانويا وتظنّ أنّهم يطاردونها، يريدون رأسها.. تجلسان إذن عند القبر صامتتين والسّماء بدأت تتحوّل للسّواد في عشيّة خريفية، لا يُمكن أبداً أن نعرف سبب الزيارة! مثل آلاف النساء اللواتي رابطن قرب قبور أزواجهن وأولادهنّ في التسعينيات، يُردن أن يدخلن تحت التّراب إلى جوارهم، المقبرة كباب بين الدُنيا و«الحياة الأخرى» في مِخيالنا الشّعبي..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …