الجمعة، 3 ديسمبر 2021

ميشال أونفري: الفيلسوف المنبوذ في فرنسا

ميشال أونفري في مكتبته

أعلن الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري (1959-)، انسحابه النهائي من الميديا، وإغلاق حسابه تويتر، وتأجيل صدور كتابه «أن نفكّر في الإسلام»، الذي كان من المفترض أن يصدر عن دار غراسيي مطلع جانفي، عقب الهجمة الشرسة الذي تعرّض لها من طرف الإعلام الفرنسي مؤخرًا، إثر تصريحاته المندّدة بتدخل فرنسا والغرب في شؤون المسلمين، مؤكدًا : «لماذا نذهب إلى بلدان المسلمين، ونتدخل في شؤونهم، ونقول لهم يجب أن تتبعوا منهج فرنسا؟ ولماذا نقتلهم في مالي كما قتلنا قبل ذلك في بلدان شمال أفريقيا، وإذا ما دافعوا عن أنفسهم نتهمهم بالإرهاب» مضيفا : «ما نفعله بهم في بلدانهم أخطر بكثير من قتل عشرة أشخاص، فنحن نقتل منهم المئات يومياً». ومما زاد الطين بلة، اعتماد التنظيم الإرهابي داعش، تصريحاته، في فيديو دعائي، في محاول تبرير اعتداءات باريس الأخيرة، من باب «وشهد شاهد من أهلهم».

في حوار مطوّل مع مجلة «لوفيغارو مغازين» الفرنسية في عددها الأخير، حاول الفيلسوف الفرنسي تبرير مواقفه، وشرح ملابسات هجوم الإعلام الفرنسي عليه. يعترف ميشال اونفري في بداية الحوار، بأنه بعد اعتداءات نوفمبر في باريس، أكد بإلحاح، على ضرورة اعتماد الجيوبوليتيك، في الممارسات السياسية، بدل الإستراتيجية المنتهجة الآن، مشيرا أن لوران جوفران، مدير صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، هو من قاد حملة التشويه التي طالته، كان جوفران، يدافع باستماتة عن سياسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، منذ سنة 1991، وهي السياسة التي أسفرت عن مقتل أربعة ملايين شخص، في البداية كان يطلق عليّ اتهامات من قبيل أنت فاشي، ستاليني… اليوم أصبحت مناصرًا لداعش… ونسي أن التنظيم الإرهابي، قال عني يوما أنني أكبر كافر في العالم، وهو ما يعني هدر دمي».

غلاف مجلة لو فيغارو ماغازين

ويضيف صاحب كتاب «تاريخ مضاد للفلسفة»: « المسألة كلها، أنني أعلنت عن رفضي للسياسة المنتهجة من طرف بوش الرئيس الأمريكي، في حربه على العراق، وهي السياسة التي أيّده فيها جوفران، وبرنارد هنري ليفي وآخرون، كانوا يقولون في تبرير الحرب على العراق، أنه يهدّد اسرائيل، وأنه يملك أسلحة الدمار الشامل… ثم بعد ذلك ساندوا التدخلات العسكرية في كل من افغانستان، مالي، افريقيا الوسطى، وليبيا، هذه الأخيرة التي جاء التدخل فيها بإلحاح من برنار هنري ليفي».

كما يعترف بأن تحليلاته بين المفكرين والفلاسفة، تنبع من فلسفة البير كامي المعارضة لكل أنواع الإعدام، في حين ينتهج الآخرون نهج جان بول سارتر… «مبدئيا أنا ضدّ التدخل العسكري، ليس حلا أبدا، الحرب تعني تأخير المشكل، بل وتوفير أسباب التطرف، وهكذا يصبح من يقول هذا الكلام، داعشيا… »

ميشال أونفري

ثم يعرّج منتقدا مواقف برنارد هنري ليفي، الذي كان صديقه ردحا طويلا من الزمن، قبل أن ينقطع التواصل بينهما، نتيجة لتعارض موقفيهما من الأحداث، ينكر عليه أنه لم يقم أبدا بعملية نقد ذاتي، والاعتراف بأخطائه، في تأييده المطلق للتدخل العسكري في ليبيا: «اعتقدوا مخطئين أنه عندما تسقط الديكتاتورية، ستحلّ بعدها الديمقراطية، بينما الجميع يعلم أن البلاد العربية لا تملك تقاليد في الديمقراطية، وبالتالي الاختيار ليس بين الديمقراطية أو الديكتاتورية، ولكن بين ديكتاتورية، وديكتاتورية أخرى… بين ديكتاتورية علمانية أو ديكتاتورية أصولية…»

وعن مبرّر حقوق الإنسان، كمسوّغ للتدخل العسكري، تساءل الفيلسوف الفرنسي: «لماذا لم تذهب فرنسا إلى إسرائيل أو الصين أو كوريا الشمالية، ولماذا سكتت عن المجازر التي ارتكبتها جماعات الجيا في الجزائر، وخلفت مئات الآلاف من الضحايا؟»

في آخر الحوار المطوّل، يعترف ميشال أونفري، أنه من بين المثقفين القلائل في الغرب، الذين قرأوا بإمعان وتدبّر، القرآن والحديث والسيرة النبوية، مستنتجًا أن القرآن حمّال أوجه، ينطوي على تفاسير متنوّعة، يستغلها هذا الطرف أو ذاك لصالحه.

حتى وإن كان يبدو في حواره هذه المرة، أقل حدّة من تصريحاته السابقة، التي أدلى بها في حصة تلفزيونية مباشرة، عندما صرح قائلا: «المشكل ليس مشكل إسلام بل هو مشكل عنصرية، ويجب أن نعترف أن الفرنسيين عنصريون» في معرض حديثه عن واقعة «شارلي إيبدو». متسائلا : «لماذا لم تقل الحكومة الفرنسية للصحافيين، توقّفوا عن الإساءة إلى رسولهم، في حين قالت للرسّامين أنفسهم، عندما رسموا متهكمين شعارًا لليهود، أنه فعل مخجل لكم، اعتذروا لإسرائيل» .

الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري، يعيش الآن في منفاه الاختياري، حياة ريفية هادئة، ويرفض الإقامة في باريس.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة   الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير …

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …