الأحد، 19 نوفمبر 2017

حرب المثلية ببلاد الإسلام.. كيف تؤكل الكتف؟

فرحات عثمان

إن أجراس حرب المثليّة لتُدقّ، بقوّة، منذ مدّة ببلاد الإسلام، بدءًا بربوع الأمازيغ والعرب، رافعة راية حقوق الإنسان؛ وهي في ذلك، وإن لم تصرّح به علانية، تعمل على إكساب المسلم حقّه في حياة جنسية كاملة، لا تنغصها نظرة متزمتة ليست من الإسلام في شيء، إذ هي من رواسب الإسرائيليات فيه عبر التّاريخ.

ذلك أنه لما كانت شمس الإسلام ساطعة على العالم، كان المسلم، تمامًا كالمواطن الغربي اليوم، ينعم بحقوقه كاملة، بما في ذلك حقّه المشروع في حياته الجنسية الخصوصية؛ فكان اللواط، أو المثلية، منتشرًا إلى حدّ التّغني به في ما سُمي بالمذكّرات؛ ولم يكن هذا فقط من طرف الشّعراء والعامّة، بل وأيضا الخاصّة، بما فيهم فقهاء أجلّة!

لا فائدة هنا في ذكر نمط الحياة المترف، في عهد الخلافة العباسية، وقد أطنب في ذلك التّوحيدي وغيره؛ لنبيّن فقط أن الجنس الشاذّ كان معروفًا حتّى في عهد الرّسول(ص)، مما يؤكد قبوله بهذه الفطرة في بعض البشر، بما أن الإسلام الصّحيح لا يمنعها ولا السّنة الثّابتة، إذ لا حكم في الموضوع بالقرآن ولا بحديث مما رواه أصح الصّحاح، البخاري ومسلم.

لماذا إذن هذا التّنكّر الذي نراه اليوم لما كان، بدون أدنى شكّ، حداثة إسلامية، سبقت بكثير الحداثة الغربية في ميدان الجنس؟ كيف انقلبت الأمور رأسًا على عقب، فأصبح الإسلام ظلاميًا في موضوع حقوق المثلي المشروعة، بعد أن كان تنويريًا، فإذا بتعاليمه تمنع الفطرة البشرية المثليّة، خلافًا لليهودية والمسيحية بالغرب، بينما العكس هو الصّحيح، وقد ثبت ذلك علميًا وفقهيًا اليوم، ودلّلت عليه كتب ومقالات عدة؟

الخطيّة الأصلية للجمعيات المثلية

لعل السّبب الأساس هو ما أسِمه بالخطيّة الأصلية للجمعيات المثليّة، النّاشطة في الميدان، بالوطن العربي وبلاد الإسلام، إذ تناضل في منظور غربي بحت، لا من منطلق متجذّر في الثّقافة العربيّة الإسلامية.

لذا، وكما لنا في الدّين اليهودي والمسيحي خطية أصلية، نحن نرى للجمعيات المناهضة لكراهة المثلية خطية مماثلة، تتمثّل في السّعي للحصول على حقوقها المشروعة بسلاح أخرق لا ينفع، بل يضرّ كثيرًا، إذ هو يستفز، لا فقط أهل الدّين، سواءًا كانوا متزمتين أو معتدلين، بل عموم الشّعب خاصّة، وهو المتمسّك بتقاليده وأخلاقه في فهم للإسلام كنمط ثقافي في الحياة، أكبر منه كشعائر وطقوس.

هذه هي حال الإسلام المغاربي الذي حفظته صوفيته من التّزمت وقد سقط فيه شرق تهافت في الدّين فغوى. نحن نجد بالمغرب الكبير العديد ممن لا يصلّي ولا يعتبر نفسه متدينًا، يتمسك شديد التّمسك بما يراه – وله كامل الحقّ في ذلك – هذا الجزء الذي لا يتجزأ من شخصيته وذاته، ألا وهو الإسلام.

لذلك، تراه يُناهض المثليّة، لا لأنه يرفضها في ذاتها كحقّ شخصي وحريّة بشرية ثابتة، حتى في الإسلام، بل لأنها تبدو له مُخالفة للدّين كما يحدّثه عنه أهل التّزمت مغالطة، وكما تدلّل عليه تصرفات الجمعيات في علمانية من البعض تذهب بها إلى حدّ الهلوسة.

لا شكّ أنّ ما يؤكد للعامة هذا التّحدي، بل الكراهة للإسلام، هو الإحجام عن التّذكير من طرف الجمعيات بأن الإسلام ما حرم قطّ المثلية، وأنه لا يرفضها كفطرة في بعض البشر خلقهم الله كما هم، فالصّوفية مثلاً، وهي إسلام المغرب الأمازيغي العربي والإسلام الصّحيح طرا، لا ترى أيّ حرج في المثلية؛ بل كان العديد من الأولياء منهم كذلك، كعلي ابن حمدوس بالمملكة المغربية؛ وقد قيل فيهم أنهم عرائس الله!

كيف انقلبت الأمور وأصبح الإسلام ظلاميًا في موضوع حقوق المثلي؟

الثّابت اليوم أن ما يُعاب على الجمعيات وحركات المجتمع المدني في بلاد الإسلام يتمثّل أساسًا في مطالبتها بإبطال القوانين الجائرة التي تدين المثلية، كتكريس منها لفكر غربي يُريد تقنين الجنس على أنماط غريبة عن المجتمعات الإسلامية. وما يؤكد للعموم هذا أن منظمات المجتمع المدني تتعلّل فقط في طلبها المحقّ بالقوانين الوضعية، مثل الدّستور الجديد بالمغرب وبتونس، والمعاهدات الدّولية، كما هو الحال بها أيضًا وبالجزائر.

طبعًا، هذا من حقّها وهي محقة في الدّعوة له؛ إلا أنها في الوقت نفسه تتجاهل ضرورة العودة للمرجع الرّئيس في هذا الميدان، وذلك حتى من الزواية القانونية الوضعية، ألا وهو الإشارة إلى أن الإسلام ليس ضد المثليّة بتاتًا؛ وفي هذا الغلط الكبار منها، فالدستور بالبلاد العربية الإسلامية، بما فيها المغرب وتونس، يفرض الدّين كمرجعية، والإتفاقيات العالمية تعترف بالخصوصيات الثقافية، ومنها الدينية.

نعم، لا شك أن دعوى الجمعيات فيها بعض الشّيء من الوجاهة عند مطالبتها بالتّأقلم مع الوضع القانوني لدولنا وفي أحقية إبطال القوانين الجائرة والظّالمة للمثليين الأبرياء؛ إلا أنها إن كانت مُخالفة لحقوق الإنسان، فهي أيضًا أولاً وبدون منازع مناقضة لحقوق المسلم كما بيّنها دين القيمة، إضافة للطّبيعة البشرية التي جاء الدّين الإسلامي متناغمًا معها، بما أنه دين الفطرة. هذا ما لا تتجرّأ الجمعيات على قوله إلى اليوم، فيزيد العامة نفورًا من مقولتها؛ فإذا مطلبها المشروع يصبح بعيد المنال لأنه في رأي الأغلبية الشّعبية مجرّد دعوى غربية تناهض ثوابت المجتمع.

بذلك، تنقض الجمعيات بنفسها غزلها بهذه الخطيّة الأصلية. فهل من المعقول أن نفرض على الشّعب ما يرفضه وإن كان ذلك من الخور من جانبه؟ أليس الامتناع عن التّذكير الضّروري بأن الإسلام لا يُعادي المثليّة أبدًا في قراءة صحيحة لتعاليمه من الخور الأكبر، بل هو من تصرفات النوكى الفظيع الذي يُفسد ما يريد إصلاحه! فهل تسعى حقًا الجمعيات النّاشطة في حقل مناهضة «كراهة المثلية» لرفع الظّلم المُسلّط على الأبرياء أم أنها تتّخذ من ذلك تعلّة للتجارة بالقضيّة، تمامًا كما يفعله رجال الدّين من أهل التزمت؟

السّلاح الفعّال في حرب المثليّة

إن الحرب القائمة اليوم، على قدم وساق بالربوع المغاربية، من أجل إبطال تجريم المثلية لهي حرب قديمة تليدة، لا تبان أحداثها إلا عندما تطفو على سطع المجتمع بعض القضايا. ذلك لأن المثلية متواجدة في الشّعب ويعيشها دون أدنى مشكل، ولكن في الخفاء والتّخفي التّام. ونحن نعلم مدى تغلغل التّقية في الثّقافة الشعبية.

البديهي اليوم هو أن زمننا يرفع أكثر من أي حقبة تاريخية مضت كل طارىء طارف، خاصة في مواضيع حساسة لم يعد من الممكن الزّج بها في خانة المسكوت عنه أو المضنون به على غير أهله، هذه الميزات النشاز من العادات في ثقافتنا زمن ما بعد الحداثة. لقد أصبح لثقافتنا العربية الإسلامية العديد من أصوات الحقّ ممن يساند القضية المثلية دون أن يكون ضرورة من المعنيين بها في حياه الشخصية؛ هؤلاء يلومون اليوم أكثر من أي وقت مضى الجمعيات على استراتيجيتها الخرقاء وهضمها لحقّ الإسلام باسم قضية تهضم في الآن نفسه حقّها. ذلك لأنها تثير مشكل المثلية في مجتمعاتنا بطريقة استفزازية لمشاعر عامّة شعب متعلّق بروحينياته أكثر منها بشعائر دينه، في زمن فيه العودة ثابتة للروحانيات لطغيان المادة فيه.

انعدام الجنس هو مما يسبب الأمراض النّفسية

إن العديد من هذه الأصوات النّزيهة ترى، ولا تبعد في ذلك بتاتا عن الحقّ، أن النّضال من أجل إبطال كراهة المثلية في ربوعنا بدون جدوى لعدم استعماله السّلاح الأنسب؛ بل تداعياته كارثية، لا خير فيها إذ تدفع أهل التّزمت إلى تسلّط أكبر على الحريات لاعتقادهم في ضرورة التّصدي لما يرونه هجمة صليبية جديدة على أعزّ ما بقي لهم، دينهم وأخلاقهم. لذلك تعدّدت الأحكام المتشدّدة أخيرا بربوعنا؛ ولا شكّ أن الحكم الأخير بتونس، الصّادر بمدينة القيروان، لخير دليل على ذلك بما أن القاضي حكم بأقصى العقوبة، بل واستعمل فصلاً لم يستعمله القضاء منذ زمن بعيد، وهو الحكم الإضافي بالإبعاد عن المدينة، بعد قضاء مدّة السجن.

إن مجرد الحسّ السليم، تمامًا كما هو الحال في الإستراتيجية الحربية، يقتضي استعمال السلاح الفعّال عندما نعلن الحرب. فهل من المعقول أن نتقدم لمجابهة مدفعية بسلاح أبيض؟ رغم ذلك، هذه هي حال المجتمع المدني المنافح عن حقّ المثلي، رغم توفر السّلاح المناسب؛ وهو التدليل على أن الدّين الإسلامي لا يحرّم ولا يجرّم المثلية. هذا إضافة لما أثبته العلم منذ أمد بعيد أن انعدام الجنس وممارسته في الحياة لهو مما يسبب الأمراض النّفسية، ويمنع النّمو العادي للإنسان فيهدم شخصيته.

 

لمتابعة الكاتب، أنقر هنا

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بودية: تشي غيفارا الجزائر يعود هذا الأسبوع

صدر حديثًا عن دار النشر «الصباحات الأولى لنوفمبر» بفرنسا، كتاب يتناول حياة ونضال وأعمال الكاتب …

من اللاّضية إلى الدّمى الجنسية

هل كان يعتقد السيد “لاض” أن ثورته، التي بدأها ضدّ الآلة سنة 1811، ستنتهي إلى …