الجمعة، 3 ديسمبر 2021

العودة إلى لطفي بوشناق

لطفي بوشناق

بداية الأسبوع المقبل، يكون لطفي بوشناق قد بلغ عامه الرّابع بعد السّتين، في عيد ميلاد الفنّان، تقدّم له مجلة «نفحة» تحيّة، بالعودة إلى بعض المحطات المهمّة، من حياته، وتستعيد بعض المقاطع من أعماله الموسيقية.

لطفي بوشناق (1954-)، الذي اقترنت مسيرته بألحان صوفيّة وتراثية، وغنّى من ألحان أحمد صدقي وسيّد مكاوي وأنور ابراهم، لم يعد راضٍ عن الموسيقى العربيّة. صار، في السّنوات الماضية، جدّ متشائم، يعيب على الفنانين الجدّد ضعفهم، ويحمّل الإعلام مسؤولية صناعة أسماء من ورق.

بوشناق من الأسماء الفنيّة القليلة التي تسبح عكس التيّار. يرفض الانخراط في موجة الموسيقى العربية الحالية القائمة على الإثارة، وتوظيف التقنيات السمعية البصرية بغية الرّواج، بدلاً من الرّهان على الموهبة والكفاءة. يقول عن نفسه: «لا تعنيني الشّهرة، من منطلق إيماني بالسّير على الطّريق الصّواب، واقتناعي بأنّ موسيقاي ستحافظ على المدى البعيد على جمهورها». هذه الرّوح الصداميّة العابقة بملامح القلق وعدم الرضى، لا تخفي روح لطفي بوشناق المبدعة والأصيلة والرومانسية أحياناً.

تجربته المتأثّرة بالطّرب العربي والتّراث التونسي خصوصاً، لا تنسينا أنّه أمضى جلّ حياته يبحث عن سبل ومناهج لتحديث الموسيقى العربية، مع محاولة مزجها في بعض الأنماط الغربية مثل الجاز. هكذا، خاض تجارب متنوّعة، من المالوف (نمط مقتبس من الموسيقى الأندلسية) وصولاً إلى الأغنية الخليجية (في أغنية «ليلى» التي كتب كلماتها محمد بن راشد آل مكتوم ولحنها أحمد فتحي)، مروراً بالموشحات والأغنية الصوفيّة.

وُلد لطفي بوشناق وعاش سنوات المراهقة في حيّ الحلفاوين، في مدينة تونس القديمة، بالقرب من حيّ باب السويقة. في ذلك الحيّ الذي اتسعت شهرته بعد باكورة فريد بوغدير السّينمائية «الحلفاوين – عصفور السطح» (1990)، يتناغم الموروث الشفوي مع حكايات الأجداد، ومع ترسبات سيرة بني هلال، ومنها على وجه الخصوص قصّة جازية وذياب. هناك أيضاً تلتقي الموسيقى الأندلسيّة مع صخب المقاهي الموريسكية، التي تغرق في أغاني عبد الحليم وأم كلثوم.

التحق لطفي في الخامسة عشرة بـ«المعهد الرّشيدي للموسيقى التونسية»، أو المدرسة الرّشيدية، إحدى أشهر المدارس الموسيقيّة في تونس والمغرب العربي إجمالاً، تأسّست عام 1934، لإحياء وتطوير موسيقى البلاد التونسية الأصيلة. في الرشيديّة، تلقّى أول مبادئ الغناء وطرق التحكّم في الصّوت. اكتسب، تدريجاً، خصوصية العزف على العود، وراح يشقّ طريقه وحيداً، بحثاً عن عالم أرحب يسمح له بتطوير ذاته أولاً، ثم يتيح أمامه فرصة تحديث الموسيقى العربية.

اشتغل لطفي بوشناق إلى جانب عدد من قامات الموسيقى العربية، على غرار سيد مكاوي من مصر، وفتح الله أحمد من العراق. عمل مع مواطنه أنور ابراهم، فغنّى من ألحانه وكلمات الشّاعر علي اللواتي «ريتك ما نعرف وين».. إلى جانب هؤلاء، رافق بوشناق بدايات الشّاب خالد نحو النجومية، من خلال أغنية «لله يا جزائر». كذلك خاض تجربة قصيرة في كتابة كلمات بعض أغاني فرقة الراب الفرنسية «IAM»، التي برزت في مرسيليا مطلع التّسعينيات. غنّى للأطفال أيضاً، في ألبوم «مَيْ مَيْ»، مع كورال «المريخ»… غنّى للأم في «وين تروح» و«صوفيا»، وتغزّل بتونس في «تونس، أنا والحبّ»، وحكى الرومانسيّة على طريقته في «أنت شمسي»، وغنّى مع ميشلين خليفة «العين اللي ما تشوفكش»، من دون أن ننسى أداءه لرائعة الهادي الجويني «لاموني الي غاروا منّي». وضع موسيقى أفلام مغاربيّة عدّة، بينها «حلو ومرّ» لناصر القطاري (2000)، و«كلمة رجّال» لمعز كمون (2004)، و«صندوق عجب» لرضا الباهي (2003). جال عبر عدد من المهرجانات الموسيقية، في مختلف دول العالم، من باريس إلى طوكيو، ومن الرباط إلى عمان، والهمّ الوحيد الذي بقي يساوره يتجسد في الالتزام تجاه القضايا القوميّة العربية.

هذا التوجّه الملتزم أسهم في التّرويج أكثر لاسم بوشناق، فكان أول فنان عربي يصبح «سفير الأمم المتحدة للنوايا الحسنة» (2004). نصوص لطفي بوشناق تعبّر، بوضوح، عن مواقفه وتميل أكثر إلى انتقاء كلمات تنطبق على مختلف البقاع وكلّ المراحل، كما في أغنية «يا خلتي أنا عربي»، أو«عش يا بلدي». وتتجاوز مواقف بوشناق الإطار العربي، لتشمل قضايا إنسانية شتّى، إذ سبق له أن أهدى أغنية لسراييفو (البوسنة)، ما منحه شرف سفير «مهرجان سراييفو للأغنية الشرقيّة». بالطبع ليس السّبب كما رأى بعضهم الأصول البوسنية لعائلة بوشناق، في امتدادها على مختلف مناطق المغرب الكبير، بل يعلّل: «الثقافة هي السلاح الذي تمّ تغييبه في مسيرتنا النضاليّة»، يقول لطفي، مصرّاً على مواصلة النّهج ذاته الذي عرف فيه منذ أكثر من ثلاثين سنة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاب عز الدين: أريدهم فقط “يخلّوني طرانكيل”

قبل رحيله ، كانت صحيفة “الوطن” الناطقة باللغة الفرنسية، قد أجرت حوارا مع المطرب الراحل …

20 سنة مرّت والفرجة ما تزال طازجة

بعد عشرين عاماً، ما نزال نتذكّر ذلك اليوم، الذي استوى فيه الرّاي على سماء باريس، …