الأحد، 9 أغسطس 2020

سنة أولى: نفحة وحَكْمتْ

صلاح باديس

في الدّارجة الجزائرية، هناك مثلٌ شعبي يقول: «نفحة وطارت».. يقصد منه زوال الرّغبة في شيء ما.. لكني هنا مضطر لقلبِ المثل، ليصير: «نفحة وحَكْمتْ»..

مجلة «نفحة»، التي انطلقت قبل عام، لا زالت مستمرة في العمل وتحقيق نجاحات صغيرة. «نفحة» التي خاضت 12 شهراً من العمل ومن الاصطدام بكلّ شيءٍ في محيطنا، من العقبات الإدارية والتّشريعات القانونية، التي تُغلق المجال على الإعلام الإلكتروني، إلى عشرات محاولات القرصنة ورسائل الشّتم والتهديدات اليومية حتى ألِفناها.. حتى تعب أصحابها منها.

فكرة الانطلاق كانت بسيطة جداً – وهنا تكمن قوتها ربما – ، خلق مساحة حرّة على الويب للكتابة الثقافية..  الثّقافة بمعناها الأوسع والأشمل، وليس بالمعنى «المُربّع» والضيّق للكلمة..

بمعنى آخر، «نفحة» ضد الثّقافة المؤسساتية والأجندات السياسية والمال العام الضّائع فيها.. «نفحة» ضد ثقافة المناسبات والمهرجانات الصّيفية.

الحركة التي وُلدت، في الأوساط البديلة في الجزائر (كل الجزائر)، بداية من سنة 2012 تقريباً، كان يجب أن تُواكَب وتُدوّن ويُحكى عنها، من قبل أنَاسٍ وميديا تُشبهها، وهذا أيضاً ما جعل نفحة تُسارع بالظهور، وتوفّر موادًا وحوارات ونقدًا يتعلّق بكلّ هذه الحركة، وكل هؤلاء الفنّانين الشّباب. ثم أيضاً الإرث الثّقافي الشّعبي الهائل للجزائر منذ الستينيات، وكل الأطوار التي مرّت عليها البلاد من اشتراكية إلى انفتاح كاذب إلى حرب أهلية إلى نظام سياسي عالِق.. كل هذا كان يجب أن يُتابع ويُقارب من زاوية الثقافة، فالثقافة توجد في كل شيء، من الخمارة إلى الجامع ومن الجامعة إلى البيت والمبغى..

«نفحة» هي أيضاً تفجير اللّغة العربية، تفجير تراكيبها المُحاصرة بين تعريب السّلطة الذي جعل منها لغة خشبية بيروقراطية، وخطف الإسلاميين لها وتكبيلها بسلاسل طويلة، طول قرون من التخلّف والتّشدّد والعصبية..

«نفحة» احتفاءٌ باللّغة العربية، بالبُعد الثّقافي العربي في الجزائر، بعيداً عن كل الأيديولوجيات والصّراعات والحسابات، فخطّ التحرير، داخل المجلّة، يركّز على الانفتاح على كلّ التّجارب والألوان والمكوّنات داخل البوتقة الجزائرية، هذا أيضاً ينبع من الطّابع المستقّل الذي تتبعه المجلّة، المموّلة من جيوب فريق عملها الصّغير، مُكرّسة بذلك استثناءاً وسط ما يُسمى «الميديا الجزائرية على الويب»، خاصة عندما نرى فشل تجارب كثيرة بدأت ولم تُكمل، خاصة باللّغة العربية.

نفحة يعني أن تكتب نصوصاً مجنونة وفضائحية وغير تقليدية، عن رحلاتك ويوميات مدينتك، روبورتاجات لا تشبه الروبورتاجات وتُرفقها بصورٍ من اﻟ «سمارت فون»، أنت المحرّر والمصوّر، صحافة مواطن وأسلوبٌ قلّ ما نجده في الجزائر.

نفحة هي محاولة للخروج من القالب ثم كسرُه، وكسر كل القوالب المستقبلية أيضاً حتى يُمحى أثر صحافة المستحاثات.. وأيضاً أن تكتب زاوية بالدارجة لعدة أشهر وتسميها «مرميطة». «نفحة» هي أول مجلة طرحت الدارجة والعربية متجاورتين، محتفية بهما، متعاشقتين كفصّ الجوهر داخل حليّ الذهب.

بعد سنة من الانطلاق، نكتب لقراءنا هاته الكلمات، نقاسمهم رؤيتنا للعام الماضي.. للعام الأول. لا شهادات ولا ملفات، لأننا نؤمن أن الطّريق لا يزال ممتداً ومتشعّباً. هدفنا رفع سقف المأمول منّا. وها أنا بعد سنة من الانطلاق أجِد نفسي في قسنطينة أواكب افتتاح مساحة عرضٍ مستقّلة إسمها «كاف نون»، نقاسمهم لحظات البداية، ونقوم بدورنا في تغطية الحدث.. بطريقتنا دائماً.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …