الثلاثاء، 28 مارس 2017

الثّابت الأمازيغي في الهوية المغاربية

 

فرحات عثمان
فرحات عثمان

بعد غد، تحلّ رأس السّنة الأمازيغية(يْنايّر، 2966)، الذي يحتفل بها العديد في العالم، من ذلك البلديات والمنظّمات بأوروبا.

ولئن كان الشّأن كذلك للعائلات وتنظيمات المجتمع المدني بالجزائر، فمن المؤسف حقًا أن يتمادى تجاهل هذه المناسبة الهامة(12 جانفي/كانون الثّاني من كلّ عام)على المستوى الرّسمي، إذ لا تخصّص لها السّلط اليوم الاحتفالي الذي تستحقه.

ما من شكّ أن مثل هذا الخطأ الفادح أصبح مما يتوجّب تفاديه، لا فقط بالجزائر، بل وأيضا بكامل التّراب المغاربي، للسّمة الأمازيغية الهامّة لمجتمعاتها؛ خاصة وقد كثر الكلام وازداد اللغط حول موضوع الهوية المغاربية، منذ تنامي الإسلام السياسي. فبعد صعود هذا الأخير سدّة الحكم بتونس والمغرب، رأيناه يتنصل من مسؤولياته بالتّلويح بقضية الهوية ودفاعه المستميت عنها، كلما ظهر خور تصرّفه السّياسي في مصالح البلد والعباد.

من الضّروري القول هنا أن الحديث في الهوية يقتضي الصّدق والنّزاهة في الاعتراف بالحقيقة التّاريخة للشّعوب، إذ لا نرى السّاسة يقومون بذلك؛ فهم بمثل هذه القضية لا يفعلون إلا عمل النوكى، ومن لا حيلة له إلا إنقاذ أرخص الرّخيص للحفاظ على ما اعتقده الأثمن، أي الحكم.

طبعا الأخلاق وحدها هي التي تبقى الأغلى بما أن النّفوذ والجاه الحقيقيان ليسا في الحكم وممارسته، بل في المثل الذي نعطيه عن مكارم الأخلاق. هذا هو الإسلام الذي كان الرّسول (ص)فيه على خلق عظيم، إذ بعثه الله متممًا لمكارم الأخلاق!

الأمازيغية.. هوية المغرب قبل الإسلام

أقول فعل النوكى إذ الهوية المغاربية ما كانت يومًا عربية إسلامية بحتة، إذ هي أولاً وقبل كل شيء أمازيغية بربرية. فمنذ متى دخل الإسلام بلاد المغرب؟ وما كانت هويته قبل دخول العرب والإسلام؟

بل من عمل على نشر الدّين الجديد بربوعه وعلى العدوة الأندلسية سوى أهل المغرب الأصليين، الرّجال الأحرار، أي الأمازيغ، وذلك معنى تسميتهم.

لقد قطنوا شمال أفريقيا قبل قدوم الفتح الإسلامي، الذي كان غزوا بالمعنى العسكري، وطال أمد استقراره بهذه الرّبوع حتى دانت له جموع البربر فأسلمت ووطّدت حكم الإسلام بها. فدون البربر المسلمين لما انتشر الإسلام، إذ كان العديد من مشاهير قادته الفاتحين للربوع الإفرنجية، ومنها الأندلس، من الأمازيغ، علاوة على كبار علماء الفقه والأدب.

انتشار الإسلام بالبلاد المغاربية مدين للمسلمين من الأمازيغ
انتشار الإسلام بالبلاد المغاربية مدين للمسلمين من الأمازيغ

من هم العرب؟

معظم عرب الجزيرة العربية ليس العرب الأصليين، فهم من المستعربين، أي من خالط العرب الأقحاح فاستعرب إذ انقرضت العرب العاربة، أي من نزح من اليمن، المنبع الأصلي للعروبة.

إن علم الأنساب يصنّف العرب إلى بائدة، وهي التي انقرضت قبل الإسلام، وباقية، وهي المتعرّبة والمستعربة، أي القبائل العربية التي أخذت اللغة العربية عن العرب البائدة، فالتّاريخ يقول أن العرب الأصيلين نزحوا إلى الجزيرة العربية من جنوبها، أي اليمن الحالي؛ من ذلك سمّوا باليمانيين للتفريق بينهم وبين العدنانيين أو عرب الشّمال.

أما العرب العاربة، أي المنقرضة، فهي المنحدرة من نسل قحطان، وهي القحطانية، أي عرب الجنوب من حمير واليمن؛ وهي في هذه النّظرية أوّل من تكلم العربة، بينما المستعربة أخذتها عنهم، وهم المعديون، أبناء معد بن عدنان، الذين قطنوا شمال الجزيرة العربية؛ أي أهل الحجاز والشّام.

هؤلاء هم نسل إسماعيل بن إبراهيم، لم يكونوا إذن عربًا إنما استعربوا، بما أن لغتهم كانت العبرانية والآرامية والكلدانية؛ وبعد نزولهم مكّة ومصاهرتهم لليمنية اتخذوا منهم لغتهم العربية، فتعرّبوا أو استعربوا. مع الملاحظة أن ابن خلدون يسمـّيهم بالعرب التّابعة، ويضيف إليهم صنفًا آخر، هو العرب المستعجمة، أي الذين دخلوا نفوذ الدّولة الإسلامية.

هكذا، إذن يكون العرب بالمغرب الكبير تابعة على الأفضل، حسب المصطلح الخلدوني، أو لعلها أيضا مستعجمة. وهذه حال العديد من البربر، أي الأمازيغ أبناء إفريقيا أو بلاد المغرب الكبير. فلا فرق إذن في الأصالة بين العربي والأمازيغي.

الأمازيغية.. هوية المغرب بعد الإسلام

قلنا أن انتشار الإسلام بالبلاد المغاربية مدين للمسلمين من الأمازيغ بالكثير، إذ أياديهم البيضاء عليه وافرة لا يشكّك فيها أحد. بل لعل البربر كانوا في الدول المغاربية أشدّ تعلقًا بالإسلام الصّحيح من العرب أنفسهم، فهم أهل وبر وخيام، أي بدو رحّل، وقد علمنا نظرة الإسلام للإيمان البدوي، نظرة كلّها ازدراء وانتقاص. فهل من الضروري التّذكير بما استوفاه ابن خلدون من حضارة البربر ورفاهة الإسلام فيها؟

لقد تعلّق الأمازيغ بالإسلام عن اقتناع بعد أن قاوموه بشراسة عندما اكتشفو ما يميّز تعاليمه من سلاسة وتفتح في أخذه بالروحانية التي جاء بها، التي للاتساع القيمي فيها قدر كبير مع شدّة التّوق للحرية والنّزعة لأن تكون الحدود والموانع أقلّ ما يمكن. وهذه حال الأمازيغي، بما أن الحرية عنده تعطي للمسؤولية كل قيمتها وللإنسان شرفه؛ فهو حرّ، ثائر أو لا يكون.

لذلك من الضّروري الاعتراف بأن هذه الهوية الأمازيغية للمغرب الكبير لهي أفضل تناغما مع روح الإسلام الأصيلة، فالأمازيغي مُسلم قبل أن يكون عربيًا بينما العربي بدوي قبل أن يكون مسلمًا؛ والفرق كبير بين الإسلام الصّحيح والإسلام البدوي. لذا يمكن القول أن العرب أتوا بالإسلام كما يأتي الأب بالولد؛ فأما الذي يجعل منه رجلاً فهي أمّه وأخواله قبل عمومته؛ هذه هي القاعدة عند العرب أنفسهم وفي العديد من الحضارات.

لم يكن الدّور الأمازيغي بالهيّن في استقلال بلدان المغرب الكبير
لم يكن الدّور الأمازيغي بالهيّن في استقلال بلدان المغرب الكبير

الأمازيغ.. حماة بلاد المغرب

لذا، لم يكن الدّور الأمازيغي بالهيّن في استقلال بلدان المغرب الكبير، خاصة بالجزائر والمغرب الأقصى، مما حتّم على النّظام الجديد القائم بعد انقضاء الاحتلال على الاعتماد على الأمازيغ للاستقرار وبسط نفوذه على البلاد.

ألم يواجه الاحتلال الفرنسي مقاومة شرسة في المناطق الجبلية والريفية، وهي بالأساس بربرية؟ ألم يكن رائد المقاومة المناضل عبد الكريم الخطابي أمازيغيًا؟ نعم، لم ينتصر الخطابي، إلا أن المناطق التي قاوم فيها الاحتلال بقيت عصيّة على الاحتلال وحافظت إلى الآن على نزعة استقلالية عن السّلطة المركزية. هذا ما اصطُلح على تسميته ببلاد السيبة، بمعني السائبة أو الخارجة عن سيطرة الدولة المركزية، وذلك بالمقابل لتعبير بلاد المخزن، كما هو الحال إلى اليوم بالمغرب الأقصى، والذي يُشار به إلى الجزء من البلاد تحت سيطرة الحاكم المركزي.

ولا شك أن ما ساهم بصفة فعّالة في إنجاح حركة الاستقلال المغاربية تمثّل في تلك اللحمة المتماسكة بين الأمازيغ والعرب في تعلّقهم بالدين الإسلامي. ذلك لأن الإسلام كان لهؤلاء دين الثّورة ضد الظّلم وابتغاء العدل لأنه لا خير في حياة الذلّ. ولا شكّ أن هذه العقلية هي التي حافظ عليها الأمازيغ بينما تبددت عند العرب تحت تأويل مغلوط وفهم خاطىء للدّين، أساسه تزمت قادم من الشّرق لا يمت بصلة للفهم الصّوفي للإسلام وهو عموما الفهم الأمازيغي.

لا شكّ أن حادثة «الظّهير البربري» بالمغرب الأقصى الصّادر سنة 1930، بإيعاز من فرنسا لإحلال الأعراف البربرية محل المحاكم الشرعية الإسلامية في مناطق السّكن البربرية تبيّن مدى وطنية الأمازيغ. فقد قوبل الظّهير بالرفض التّام، لا فقط من طرف المسلمين، بل وأيضا من قبل الأمازيغ أنفسهم لشدة تعلّقهم بوطنهم في فترة كان المهمّ التكاتف للدّفاع عن لحمته، فكان الإسلام خير السّلاح لذلك.

هذا يبين لمن لا يعرف التاريخ كيف أن الأمازيغ، رغم حملات التّنصير العديدة والمتواترة، تعلّقوا بدين الإسلام ما دام أهله من العرب لم يرفضوهم، ولم يزدروا حقوقهم. أما اليوم، وقد حصلت بلدان المغرب الكبير على استقلالها، فكيف لا يُطالب الأمازيغ على حقوقهم كمواطنيم من الدّرجة نفسها مع العرب؟ وإن غالى البعض في الانتصار للأمازيغية، ألم يكن ذلك أساسا كردّة فعل على تعصّب العرب لإسلام جُرّد من أهم ما فيه من حريات وتقديس للذّات البشرية؟

إن التّعصب الذي نشاهد من العرب باسم عروبة غير صحيحة وتديّن غوى يُقابله تعصّب من النوع نفسه، بل لعلعه أرقى، من طرف الأمازيغ، لأن إسلامهم جدي صحيح وحقّهم فيه لا ينقص بتاتًا عن حقّ العربي، بل يعلوه إذ هو قراءة أصحّ، فالقراءة العربية المنتشرة اليوم لهي السّلفية وهي لا تأخذ إلا بالإسرائيليات الرّاسبة في دين القيمة.

لذا، لا بدّ من تأويل التّحدي عند البعض من الأمازيغ، حتى في شططه، حسب ما آل إليه دين الإسلام من تأخر وصل إلى حد «دعدشته»، بذلك تكون ردّة فعل الأمازيغ هذا التّذكير بالقراءة الأمازيغية الصّحيحة لدين الإسلام الأصلي الذي لا يمنع العديد من الحريات، وقد أصبح الإسلام الرّسمي يمنعها لا بنص القرآن بل بفهم خاطئ له، لا أساس له من الصّحة.

الهوية واضحة عقيدة الأمازيغ لا تشوبها شوائب أهل التّزمت
الهوية واضحة عقيدة الأمازيغ لا تشوبها شوائب أهل التّزمت

الأمازيغية.. مستقبل الإسلام

لقد انعدمت في الفقه الرّسمي الرّوح الثّورية التي جاء بها الإسلام، إذ تجمّدت المفاهيم في مواضيع عدّة، جراء تأثير فكر غير إسلامي كان بفعل رواسب أجنبية متأثّرة بالمفهوم المسيحي واليهودي لبعض مسائل الدّين، نظرًا لتفشي الإسرائيليات بالشّرق؛ وما كانت الحال تمامًا كذلك ببلاد البربر.

إن كان حملة العلم في الشّرق من الموالي، كما ذكّر ذلك ابن خلدون، أي أن متخيّلهم كان مفعمًا يهودية ونصرانية، كان متخيّل فقهاء المغرب أمازيغيًا؛ بذلك كانوا أكثر قابلية لروح الإسلام الثّورية أصلاً. ومعلوم أن الفقهاء المغاربة كانوا أشدّ تفتحًا في فهم الدّين ومسائله من فقهاء الشّرق، وذلك لهذه الرّوح الأمازيغية التي كان فيها الشّيء الكثير من الصّوفية. فإذا حرّمت السلفية الخمرة، فالصوفية اعترفت بحليته مبيّنة أن الدّين لا يحرّم إلا السّكر. كذلك الأمر بالنسبة للردّة، إذ أهل التّصوف أقرب إلى نصّ القرآن وروحه وهما يقدّسان حرية العقيدة ولا يمنعان حقّ الارتداد. والمسلم الأمازيغي يفهم بأكثر سهولة المنطق القائل بإن دين الإسلام، وهو دين الحرية، لا يمكن أن يصبح سجنًا أبديًا للمؤمن الذي فقد إيمانه. فلا إيمان يُفرض قهرًا في الإسلام.

كذلك يرى الأمازيغي، وهو على حقّ، أنه لا صوم يُفرض في الإسلام لأن الصّوم ليس بالفرض القطعي ولا يقبل المراءاة، إذ هو في النّية أولاً؛ فإن كانت هناك ضرورة للتّخفي في رمضان، فهي لا تهمّ عدم الصّوم علنًا، بل الصّوم ذاته، وذلك حتى لا يمنّ المؤمن بصومه على غيره، وعلى الله خاصة.

هذا أيضا مما خفي على أهل التّزمت الذين يعملون أيضا بالإسرائيليات عندما يحرمون المثلية بينما لم يأت فيها أي حكم في القرآن ولا بأي حديث في السُّنة الصّحيحة، عند البخاري ومسلم، إذ بقية الأحاديث لا يُعتد بها فهي من المنحولة، إذ أهم الفقهاء قالوا أنه لم يصحّ أي شيء في هذه الفطرة البشرية الموجودة في بعض البشر؛ فقد قال ذلك مثلا أبو حنيفة والشافعي وابن حزم الظاهري.

إن عقيدة الأمازيغ لا تشوبها شوائب أهل التّزمت الذين أنتجوا داعش، فالإسلام الأمازيغي لوفيّ لروح الدّين وهي حرية قبل كل شيء، تقتضي دومًا التّأقلم مع مقتضيات الزّمن وتحدياته لتجديد مستدام يكون خير ضمان لثورية الاسلام في كل زمان.

بهذ، يكون مستقبل الإسلام بالبلاد المغاربية، بل في بقية العالم العربي، للفهم الأمازيغي، بمعنى أنه إسلام أهل الفهم الأحرار، بقراءة للدين غير دغمائية، أثرته وتثريه. لذلك، فإن الاعتراف باللغة الأمازيغية الحاصل أخيرًا بالمغرب والتوجه بالجزائر لدسترتها من شأنه دعم صرح الإسلام بما أن اللغة هي العامل الفاعل والفعال في الحضارة والثقافة خاصّة‌، إذ في اختلافها لا التباين الحضاري بل الإثراء، لأن المختلف اليوم هو الذي يأتي بالمؤتلف ويقوّيه.

نظرا لأن البربر حضاريًا وثقافيًا مختلفون في الهوية داخل المجتمع العربي الإسلامي، فهم هذا الآخر الذي يأتي بالدّفع من الدّاخل فيحي ما مات فيه، جراء تراكمات تاريخ ثري هو اليوم شديد المرض، لشدّة ما رسب في هذا الدّين دون غربلة،  لانعدام المحرك النّقدي الفاعل من الدّاخل، بعد ركود الحضارة العربية الإسلامية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنا و صديقتي المرأة في جزائرستان..

أنا وصديقتي المرأة في جزائرستان..

أترجل من كلّ صهواتي، وأجالس المرأة في أعيادها المتكرّرة، فما عاد لها عيد واحد وحيد …

من أجل ديبلوماسية مغاربية عليمة (2)

التحدّي العلمي للديبلوماسية المغاربية.. هذا ما يجب أن يدأب عليه ديبلوماسيو البلاد المغاربية.. خاصّة اليوم …