الجمعة، 17 سبتمبر 2021

سنة أولى نفحة

 

سعيد خطيبي

سنة كاملة قضيناها في مجلة «نفحة» الإلكترونية، منحتنا حقنة «مناعة» من تكرار أخطاء من سبقنا، ومسؤولية أكبر للالتزام بخدمة قارئ جزائري، صار أكثر صرامة مما كان عليه من قبل.

في السّنوات الماضية، أظهر الإعلام التّقليدي، في الجزائر، عجزًا، وعدم قدرة على تلبية طلبات القارئ وتطلّعاته، وجد هذا الإعلام نفسه يدور في حلقات مكرّرة، غير مستعدّ لمنافسة ما يُسمّى ﺒـ: «الإعلام الجديد»، الذي تطوّر، بشكل ملحوظ، في ظلّ «الرّبيع العربي»، في دول الجوار، وبات، من الضّروري، أن ينفتح الإعلام المحلي على تجارب جديدة، تلتزم بالحسّ المهني، وتنسجم مع روح المرحلة. في هذا السّياق، وُلدت «نفحة»(في 11 جانفي 2015، ذكرى ميلاد الكاتب والإعلامي الطّاهر جاعوط)، لتنخرط في حركية الإعلام الجديد، الذي يمتاز بالمرونة والسّرعة والتّنوع والقرب من القارئ، بشرائحه المختلفة.

الإعلام الجديد، الذي نُراهن عليه، والذي يحبو ببطء في البلد، يهدف إلى محاولة هدم «الهرمية»، التي يرتكن إليها الإعلام التّقليدي، الذي ينظر إلى القارئ من أعلى، بينما اخترنا في مجلة «نفحة» أن يكون القارئ شريكًا لنا، جزءًا من العملية الإعلامية، وصيًا على المادّة التي نقدّمها له، ومستشارًا أساسيًا في خياراتنا.

منذ البدء، اختارت «نفحة» الاصطفاف إلى جانب أقليّات، لا نقصد أقليات عرقية أو ديموغرافية، بل هم مجموعات اجتماعية وفنيّة واسعة الحضور، سُلبت منها أصواتها لصالح الصّوت المنفرد، الصّوت الواحد والأكثر ضجيجًا، الذي لا يعبّر بالضّرورة عن عمق البلد.

شرّعنا نافذة على أوجه مغيّبة من الجزائر، واصطدمنا، في الأسابيع الأولى، بالأقلية المهيّمنة، واجهنا سبًّا وشتائم وتعليقات مشينة، بسبب خطّنا التّحريري، ثم تطوّرت محاولات الإساءة لمشروع المجلة، بتورّط زملاء في المهنة في التّهجمّ علينا، والتحقت بهم شخصيات تعتبر «شخصيات مؤثّرة».

في نفسي، كنت أتحسّر من ذلك «الكره» الذي ربّاه الجزائري ضد جزائري آخر مثله، وأضحك عليه في آن، كره نما بسبب أحادية الخطاب الذي تشبّع به الجزائري في العقود الماضية، في المدرسة وفي الإعلام، ووصلت الأمور حدّ تهديد واحد من الزّملاء بالقتل، لم نعطِ الموضوع أكثر مما يستحق، وواصلنا العمل على الوتيرة نفسها، ثم تغيّر تعامل «منتقدي» المجلة، شيئًا فشيئًا، وجدوا أنفسهم في مواجهة خاسرة، وصارت تصل، يوميًا، بدل رسائل الانتقاد، رسائل مختصرة ومكثّفة ومعبّرة، مثل: «شكرًا نفحة»، هذه العبارة على بساطتها كانت مثل «أدرينالين» للاستمرار، فقد وجد القرّاء في المجلة ما لم يجدوه في الترسانة الهائلة من المطبوعات التي تصدر، دوريًا، في الجزائر.

مجلة «نفحة» ليست جزءًا من «الخلطة» الإعلامية الرّسمية، التي دخلت تحت ظلّها مؤسسات ترفع شعار الاستقلالية، تحت تأثير سياسة الإشهار المعتمدة في الوقت الحالي، فالمجلة وكُتّابها والمتعاونون معها اختاروا خطًّا مستقلاً، بالمعنى الحقيقي للكلمة، لا مركزية في القرار التّحريري، واستمرت، طيلة العام الأوّل، تسير بدعم محدود من جيوب العاملين فيها، الذين تحمّلوا النّفقات الشّهرية للمجلة، مع دفع التّكاليف المتعلّقة بها.

ما يُطلق عليه الآن «جيل نفحة»، من صحافيين وكُتّاب التحقوا بالمشروع، هم أرضية صلبة نتّكئ عليها، في سنة ثانية، لرسم وجه آخر للإعلام الجديد في البلد، ولبلوغ بعض الأهداف، من بينها تكوين كوادر إعلامية ستتبوّأ واجهة المشهد مستقبلاً.

تأسّست مجلة نفحة في ظروف استثنائية، في مرحلة كانت فيها الجزائر تشهد صحوة للمتخاصمين مع الإبداع والفنّ، ظهرت في فترة علا فيها صوت تكفير الأدب والسينما، صدرت أثناءها فتوى ضد كاتب، وضجيج ضد فيلم، ووضعت المجلة نفسها في خطّ المواجهة، في الدّفاع عن قيّم الأدب والفنّ، والحقّ في التّنوع والتّعدّد، بما ينسجم مع روح التّاريخ المتنوّع، والمتعدّد للبلد، فالجزائر لم تعش في تاريخها الطّويل بثوب واحد، بل بأثواب وبألوان، يجب الحفاظ عليها كلّها حفاظًا على هوية الوطن الواحد.

هكذا إذاً، قضت نفحة سنة من التّجريب، منزاحة دائمًا لخيار الرّفض، مؤسّسِة لروح النّقد في الإعلام الجديد، ومتفائلة بإعلام طليعي، تشكّلت إرهاصاته، في جوّ مشحون من الصدامات، لكنه سيستمر في الحبو حتى يكبر، ويصير قادرًا على الصّمود، أكثر فأكثر.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …