الأربعاء، 4 أغسطس 2021

خليفة بن عمارة ﻟ«نفحة»: متعة الكتابة


خليفة بن عمارة

في الجزء الثّاني والأخير من حواره مع «نفحة»، يستعرض الكاتب خليفة بن عمارة دوافع انتقاله من كتابة الرّواية إلى التّأريخ، خاصة تأريخ منطقة الجنوب الغربي الجزائري. كما يتحدّث أيضًا عن حرصه الشّديد على ترجمة كتبه ودراساته التّاريخية إلى اللغة العربية، ويعود بن عمارة إلى إيزابيل إيبرهاردت، التي خصّها بكتاب أعيد طبعه أكثر من مرّة، ويتطرق إلى آخر أعماله: «قصص من الجنوب».

بعد صدور روايتك «الكلمة المخنوقة»، يبدو أنك انتقلت لكتابة تاريخ المنطقة التي تعيش فيها، أليس كذلك؟

بعد صدور رواية «الكلمة المخنوقة»، بدا لي أنه من المفيد للكُتّاب الجزائريين، ونحن نعيش فترة انتقالية، من خلال عبورنا من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال، أن يتصدّوا لكتابة التّاريخ، لفائدة الأجيال القادمة، ومن الأفضل باللغة العربية إن تيسّر لهم ذلك. وقد سبق لي أن أدرجت في رواية «الانسلاخ»، بعض المقاطع التّاريخية عن ثورة التّحرير وعن سياسة الجنرال شارل ديغول.

هكذا، باشرت التّنقيب في الأرشيف عن تاريخ منطقة الجنوب الغربي، عبر أرشيف الإدارات العمومية، في مكتبات وهران، الجزائر العاصمة، وفرنسا، ومن خلال العديد من المخطوطات، والشّهادات الشّفهية، وكذلك من خلال وثائق ومخطوطات لخواص، ولدى العديد من الزوايا في أنحاء الجزائر، تونس وفاس.

في البدء، اقترحتُ على «المؤسسة الوطنية للكتاب»، إن كانت تهتمّ بسرد تاريخ آخر رجل مقاوم في الجنوب، والذي مكث أكثر من عشرين سنة في الجبل، بعد معركة «تازينة»، التي قام بها الشيخ بوعمامة. فاجأني ردّ المسؤول عن دار النشر قائلا: «نتلقى صعوبات جمّة في بيع الكتب التي تتحدّث عن الأمير عبد القادر، كيف تريد إذًا أن يُباع كتاب يتناول تاريخ مُقاوم مجهول في الجنوب».

بعد تفكير عميق، قرّرت أن أكتب رواية تاريخية، بدلاً من الدّراسة التاريخية، ولكن عن تاريخ الأمير عبد القادر، وعن المُقاوم محمد ولد علي، آخر مقاوم في الجنوب، مستندًا في ذلك على وقائع تاريخية حقيقية، مع تدعيم السّرد بأشياء من وحي الخيال الذي من شأنه استكشاف، إلى جانب مآثرهما في المقاومة الشعبية، الجانب الإنساني داخل هذين البطلين التاريخيين.. الكتاب نفسه قام بترجمته الراحل محمد قندوسي، وصدر باللغة العربية تحت عنوان «الحلم والمُلك» سنة 1999، عن دار دحلب للنشر.

سيرة البوبكرية

لعلّه شكل مختلف من أشكال الكتابة السردية، تحاول أن تلامس من خلاله الواقع، وتثري بعض تفاصيله بالمتخيّل؟

بالفعل، بعد هذا العمل الرّوائي، توجّهت صوب الدراسات التّاريخية، حتى وإن كنت لا أعتبر نفسي متخصّصا كمؤرخ. بيد أن هاجسي المركزي، كان يتمثّل أساسًا في محاولة إنقاذ التّاريخ من النّسيان، خاصة المصادر الشفهية، التي هي للأسف بصدد الانقراض، من حيث تضمينها أكبر كمية من المعلومات والأطروحات، لعلّها تفيد الباحثين في المستقبل.

ما هو أوّل كتاب تاريخي لك في هذا المجال؟

هو عبارة عن دراسة تاريخية وهجيوغرافية، باللغتين العربية والفرنسية، صدر في 2002. يتعلّق الأمر بالجزء الأول من الكتاب الموسوم: «سيرة البوبكرية» (La saga des boubekria)، ويتناول تاريخ فرع من العرب ينحدرون من الخليفة أبي بكر الصّديق. جاء جدّهم الأول معمر أبو العالية، من تونس، ليستقرّ في الجنوب الغربي الجزائري، حيث قام بتأسيس زاوية، ليُعلّم فيها القرآن الكريم، وقد سمح غياب السّلطة المركزية للدولة، البعيدة جدًا، أن تتبوأ ذريتهم منزلة روحية، لدى سكان منطقة الجنوب الغربي الجزائري.

لماذا بدأت في مشروع تصدّيك لتاريخ المنطقة، تحديدًا من تاريخ البوبكرية؟

عندما فكّرت في مشروع كتابة تاريخ المنطقة، كانت لديّ المادة الكافية للكتابة عن تاريخ البوبكرية، التي أنجبت شخصيات مؤثرة، على غرار سيدي معمر أبي العالية، سيدي بوسماحة، سيدي سليمان، سيدي أحمد المجذوب.. بعد ذلك عندما توفّرت لي المصادر الكافية، انتقلت للكتابة عن بدايات التاريخ في منطقتنا، وهكذا صدر لي في سنة 2002، كتاب «لمحة تاريخية عن الجنوب الغربي الجزائري الأعلى، منذ الأصول الأولى إلى غاية الفتوحات الإسلامية» (Aperçu Historique du Sud-Ouest Algérien avant l’Islam)، باللغتين العربية والفرنسية. الكتاب عبارة عن ملخّص، لفترة ما قبل التّاريخ، منذ الصّخور المنقوشة، مرورا بمرحلة الاستيطان، وعصور القرطاجنة، الممالك البربرية، الرومان، الوندال، والبيزنطيين.

أدرك جيّدا الصّعوبات التي واجهتك صديقي بوداود، لترجمة هذا الكتاب، ذلك أنه من الصّعوبة بمكان ترجمة العديد من المصطلحات الأركيولوجية الواردة في النصّ. بعد ذلك أي في سنة 2003، صدرت النّسخة الأصلية باللغة الفرنسية من «الحلم والملك» في إطار سنة الجزائر في فرنسا.

وفي السّنة ذاتها، وبالمناسبة نفسها، صدرت لي دراسة تاريخية بعنوان: «المرابطون والأولياء في الجنوب الغربي»، ضمن عمل جماعي يحمل عنوان: «الجزائر، نظرات متقاطعة».

كان من الواضح أنك تخلّيت نهائيا عن الرواية، لتكرّس اهتمامك كلّه لكتابة التاريخ؟

هذا ما كنت أعتقده، ولكن في لحظة معيّنة، راودتني رغبة جامحة، لكتابة رواية مستلهمًا الوضع السّياسي الذي كانت تعيشه الجزائر في التسعينيات، مع إدراكي العميق لصعوبة المهمة، واستحالة النشر في الجزائر، وهكذا وبعد أن أخفقت في إقناع دور النشر الجزائرية، صدرت الرواية في فرنسا سنة 2005 تحت عنوان «يوميات ثائر»(Journal d’un insurgé). الرواية تحكي قصة صديقين، تجمعهما أفكار تحرّريّة، ورافضة للاستبداد، يعيشان في بلد تعصف به أزمة سياسة خطيرة. بعد توقيف المسار الانتخابي، توجّهت المعارضة إلى حمل السّلاح. «خثير» الثائر، تورّط في العنف، وحاول تبريره. بالنسبة لـ «خالد» الراوي، وهو كذلك المعارض للسّلطة، يرى أنه لا يمكن أن نواجه العنف بعنف مماثل، كما يؤمن بأن الوقت وحده كفيل بتطوير الذهنيات شيئًا فشيئًا، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى إحلال الديمقراطية.

في نفس السنة 2005، صدر لي كتاب يتناول حياة إيزابيل إيبرهاردت، بعنوان: «إيزابيل إيبرهاردت والجزائر» (Isabelle Eberhardt et l’Algérie)، تلك الفتاة الشابة، المولودة في جنيف بسويسرا، من أمّ ألمانية تزوّجت بضابط روسي، اعتنقت الإسلام، وتزوّجت من مسلم جزائري، توفيت غريقة إثر فيضان وادي العين الصّفراء، وهي صحافية وكاتبة حسّاسة، من بين ما كتبت مجموعة من القصص، تناولت واقع الجزائريين في ظلّ الاستعمار.

إيزابيل إيبرهاردت والجزائر

في 2008، صدر لي باللغة الفرنسية كتاب تاريخي يتناول ذرية النّبي (ص)، في المغرب العربي، يحمل عنوان «كتاب النّسب.. شرفة الجنوب الغربي»(Kitab En Nassab suivi de Les Chorfa du Sud-ouest) في الجزء الأول منه، أدرجت سلسلة من الشجرات الشريفة المعروفة. أما في الجزء الثاني فقد قمت بسرد تفاصيل العناصر العرقية التي جاءت للاستقرار، مابين القرنين العاشر والثامن عشر، في قصور وبادية الجنوب الغربي، واندماجهم مع عناصر أخرى من السّكان الأمازيغ والعرب.

سنة من بعد، أي في 2009، ظهرت الترجمة العربية للكتاب. وفي سنة 2010، صدر كتيّب بعنوان: «لمحة حول التنوّع الثقافي والبيولوجي لمنطقة العين الصفراء» نشرته جمعية قوس قزح، أين كتبت الجزء الثقافي منه.

في سنة 2011، صدر الجزء الثاني من «السيرة البوبكرية»، باللغتين العربية والفرنسية. وقد تناول الكتاب أساسًا حياة وآثار سيدي الشّيخ، أشهر ولي صالح في المنطقة، ومؤسّس زاوية. الكتاب حمل عنوان «سيدي الشيخ، شخصية خارقة للعادة»، والذي تمكّن، عقب ضعف السلطة المركزية، من إرساء نفوذ واسع، وسط سكان الجنوب الغربي.

في 2013، صدرت النسخة العربية (ترجمة بوداود عميّر)، من كتاب «تاريخ الجنوب الغربي»، وهو الكتاب الأهم في اعتقادي، يلخّص التّاريخ العام للسّكان، وقصور الجنوب الغربي الجزائري الأعلى، منذ ما قبل التاريخ إلى غاية اندلاع ثورة التحرير سنة 1956.

لكن، لماذا توقفت بالتحديد في سنة 1956، ولم تحاول الكتابة عن الفترة الممتدة من 1956 إلى 1962؟

ببساطة، لأنني لا أملك المصادر الشفهية والمكتوبة، الكافية للكتابة عن هذه الفترة. في سنة 2013، صدرت لي الطبعة الثانية من الكتاب الخاص بايزابيل ايبرهاردت (ورقيا وعلى النت)، وكذلك الطبعة الثانية من كتاب النسب باللغة العربية. في سنة 2014، أصدرتُ مجموعة قصصية بالفرنسية تحمل عنوان «قصص من الجنوب»(Nouvelle du sud)، تتناول جوانب حياة مستوحاة من وحي الواقع، عشتها في مسقط رأسي، وفي الجنوب عمومًا.

يوميات ثائر

منذ أن عرفتك، لم تتخلّ عن الكتابة باليد وعلى الورقة، لماذا لا تستخدم الحاسوب في الكتابة؟

أتساءل دائما كيف يمكن أن يأتينا الإلهام، ونحن نكتب مباشرة على الحاسوب، ثمّ أننا لا نعرف في حقيقة الأمر، متى يأتينا إلهام الكتابة. هكذا بقيت كما كنت في طفولتي، أكتب أفكارًا على قصاصات من ورق، ثم أقوم بعد ذلك بتنقيحها على ورق، قبل أن أقوم برقنها على الحاسوب في آخر المطاف.

ترى ما هو شعورك الآن، بعد أن أنجزت هذا العدد المعتبر من الكتب؟

القاعدة العامة التي حاولت فرضها على نفسي، هي أن أكون موضوعيا إلى أبعد ما تكون الموضوعية، في التّصدي لكتابة التاريخ، أشعر بالرضا لأنني كنت مفيدًا من خلال إنقاذي من النسيان الكثير من المعلومات التاريخية، والتي آمل أن تكون مفيدة للباحثين في المستقبل. فيما يتعلق بالكتابة الأدبية، كنت أشعر بمتعة وأنا أكتب أعمالي، آمل أن يحسّ القراء بالشعور نفسه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …