الأربعاء، 4 أغسطس 2021

خليفة بن عمارة ﻟ«نفحة»: وقائع كاتب متحرّر

خليفة بن عمارة

يكاد المشهد الأدبي الجزائري، لا يعرف شيئًا عن الكاتب والمؤرّخ خليفة بن عمـارة(1947-)، رغم أن هذا الأخير ألّف، لحدّ الآن، أكثر من 12 عملاً أدبيًّا باللغة الفرنسية، يتوزّع بين الرواية والقصّة والدّراسات التاريخية. من بين أعماله الروائية: «الانسلاخ»(1985)، «الكلمة المخنوقة»(1990)، «الحلم والمُلك»(2003)، «يوميات ثائر»(2005)، ومن آخر أعماله: «مصير إيزابيل إيبرهاردت»(2013)، ومجموعة قصصية بعنوان: «قصص من الجنوب»(2014).

الكاتب خليفة بن عمارة، من الكُتّاب الذين يشتغلون في صمت، بعيدًا عن الأضواء، وبعيدًا عن المناسبات والرّعاية السّامية، واقتناص الجوائز، ينجز مؤلفاته بماله الخاص، يعتمد على قرائه، ويحرص على ترجمة أعماله إلى اللغة العربية. مجلة «نفحة» زارت خليفة بن عمارة في مكتبه ودار هذا الحوار:

حدّثنا عن طفولتك، كيف عشتها في صُلب ثورة التّحرير؟

ولدت في 1947 بالعين الصفراء، في الجنوب الغربي الجزائري. كنت أبلغ من العمر تسع سنوات، عندما اندلعت ثورة التحّرير في المدينة بتاريخ 20 جوان 1956، يومها فجّر الفدائيون عدّة قنابل، على مواقع مختلفة من المدينة، إحدى القنابل انفجرت في مقهى «ليفي» وسط المدينة (حاليًا مقهى شنّي)، أين كان يجلس عدد من الجنود الفرنسيين، كنت وبعض أقراني من الأطفال في الجهة الأخرى من الشّارع، عندما لامس الانفجار شجرة ضخمة، لتصيبني شظيّة في عيني اليسرى، وقد مكثت تؤلمني لعدّة أشهر، إلى أن أخذتني أمي إلى وهران للعلاج، عند طبيب فرنسي متخصّص في العيون.

في تلك الأثناء، التحق شقيقي «بوتخيل»، والذي كان يبلغ من العمر آنذاك 16 سنة بصفوف المجاهدين في الجبل «جبل مكثر»، بعد أن كان محلّ بحث من طرف الدّرك الفرنسي.

مدرسة البنين التي كنا نتابع دراستنا فيها، كانت تقع في الجانب الآخر من الوادي، داخل ثكنة تابعة للجيش للفرنسي. تحصّلت على منحة دراسية، كان يستفيد منها أنجب التّلاميذ في نهاية الطّور الابتدائي، أين يتم توجيهم لمزاولة دراستهم نحو «الكوليج» أو الثانوية، بمدينة معسكر، على بعد 330 كلم من مدينتي، هكذا أصبحت «داخليًا» في المؤسسة لعدة سنوات، وعمري لا يتجاوز 12 سنة. نحن الآن في سنة 1959، في عزّ ثورة التحرير، ألقي القبض على أبي، وزجّ به في معتقل التّعذيب بالدزيرة بالعين الصفراء، لينقل بعد ذلك إلى سجن سعيدة. من جانبي، نظرًا للنقاط المتحصّل عليها، تمّ توجيهي نحو القسم «أ» حيث يتمّ تعليم اللغة اللاتينية.

غلاف رواية الانسلاخ
غلاف رواية الانسلاخ

كيف جئت إلى عالم الكتابة، وهل تتذكّر كتاباتك الأولى؟

بدأت الكتابة عن طريق تقليد التّلاميذ الفرنسيين «الدّاخليين»، في ثانوية معسكر، أين كنت أخطّ في دفتر يومي، ما يجول في ذهني، وما كنت أشاهده، وبعض الكتابات من وحي خيالي، مثلا، هناك نصّ كتبته، عن حاكم طاغية ينتفض عليه شعبه، هناك أيضا بعض الحكايات القصيرة.

كتبت شيئًا من الشّعر، حاولت من خلاله تقليد الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، من خلال مجموعته الشعرية «أسطورة القرون»(1859).

بعد ذلك، مع مرور السّنوات، ترسّخت لديّ عادة الكتابة في دفتري اليومي، أين كنت أسجّل، بدون ترتيب، ما كنت أشاهده، وما كان يختلج في ذهني. كنت أقرأ كثيرًا المجلات المصوّرة (زورو، طارزان، كيوي، إلخ) أين يمكن تعلّم اللغة الفرنسية بمتابعة الصوّر.

في سنوات 1960-1970، التحقت بصفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية، أين كتبت أوّل نصّ لي طويل نسبيًا، يتعلق الأمر بنصّ مسرحي يحمل عنوان: «قضية عادلة» (Juste cause)، يتناول في الأساس ثورة التّحرير. كتبته باللغة الفرنسية، وقدّمته للمسرح آنذاك، فرقة الكشافة بالدارجة الجزائرية، وسرعان ما تمّ عرض المسرحية في العديد من مدن المنطقة خاصّة، أذكر من بينها: العين الصفراء، المشرية، البيض، سعيدة..

في 1979، أُعلن في الصّحف عن مسابقة أدبية وطنية، من طرف مديرية الّثقافة بقسنطينة، حول موضوع: الآفات الاجتماعية في الجزائر. شاركت في المسابقة بعمل يحمل عنوان: التعفّن (la gangrène)، ونلت الجائزة الثانية وطنيا، في المشاركات الخاصّة باللغة الفرنسية، بعد ذلك اشتغلت على إثراء هذا العمل، بإضافة مقاطع سياسية تتحدّث عن الحزب الواحد، المهدّد بضيق الأفق والشلل، والمصرّ على إقصاء الأحزاب السياسية الأخرى، والاستحواذ على الحكم في البلاد. هناك مقطع سياسي يتعلّق بموقف الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول من الثّورة، وتفاصيل كذلك عن بعض الآفات الاجتماعية: تعاطي المخدرات، التعاطي المفرط للكحول، الدّعارة، السّرقات، فساد نظام القطاع العام للدولة، والذي أطلقت عليه اسم (SONAPA: société nationale du piston algérien) أو (الشّركة الوطنية للمحاباة الجزائرية).

في 1985، نشرت لي المؤسسة الوطنية للكتاب أوّل أعمالي الروائية، يتعلق الأمر برواية «الانسلاخ» أو (la mue)، كتبت إهداءه إلى أخي الشّهيد، وتتناول الرّواية التحوّلات التي شهدها المجتمع الجزائري، وقد كتب الناشر يقول عنها: «الرواية، قصة حقيقية لعائلة مواطن جزائري، عاش إرهاصات ثورة التّحرير، والتحوّلات التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال»، في حين كتبت جريدة المجاهد يومها: «تناولت رواية «الانسلاخ» جميع القضايا الاجتماعية، عالجها بدقّة وتمحيص، وهو روائي، لا يعرف أنصاف الكلمات«.

غلاف الكلمة المخنوقة
غلاف الكلمة المخنوقة

في 1988، أودعت لدى المؤسسة الوطنية للكتاب، مخطوط رواية جديدة، تحمل عنوان «وقائع جريمة موظف» (chronique d’une forfaiture)، تتناول عملية اختلاس ضخمة، لأموال تعدّ بالملايير، قام بها مسؤول سامٍ، في إحدى ولايات الجنوب، تتحدّث الرواية بصيغة المتكلّم، لراوٍ ذي عاهة. طال انتظاري مدة خمسة أشهر، وعندما اتصلت هاتفيًا، مستفسرًا عن مصير المخطوط لدى المؤسسة الوطنية للكتاب، التي كانت تحتكر عملية النّشر آنذاك، أجابني مسؤول المؤسسة ذاتها، بأنهم لم يحصلوا بعد على تقرير لجنة القراءة، وقبل أن يقطع المكالمة قال لي مُعاتبًا: لم يكن مستحسنا من طرفك أن تكتب: «الحزب الواحد لم يعد سوى شبحًا لنفسه»! لتأتي أحداث أكتوبر 1988، حيث اندلعت مظاهرات شعبية، أسفرت عن العديد من الضحايا، ونتج عنها هبوب رياح الديمقراطية في الجزائر.

في نهاية شهر ديسمبر من السّنة نفسها، أرسلت لي المؤسسة الوطنية للكتاب تقرير لجنة القراءة: طلبوا مني تغيير العنوان «وقائع جريمة موظف»، وهكذا وقع الاتفاق على عنوان «الكلمة المخنوقة» (la parole étranglée)، في إيحاء ربما لحريّة الصحافة التي بدأت في التحقّق آنذاك، ومما كُتب في تقرير اللجنة ما يلي: «نشعر أن مؤلف الكتاب يملك موهبة السّرد، وأنه مدوّن متميّز..». ثم يضيف التقرير أن في المخطوط للأسف يوجد «اعتداء واضح على الأخلاقيات المعنوية والسّياسية، من خلال 38 صفحة».

في 1990، تمّ الإفراج عن رواية «الكلمة المخنوقة»، بعد نشرها من طرف المؤسسة الوطنية للكتاب، وقد أدرجت في مقدّمة الرواية، كتوطئة، مقطعًا من مسرحية للكاتب الروسي غوغول، حول فساد الموظّفين.

يتبع..

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …