الأربعاء، 4 أغسطس 2021

كمال قرور ﻟ«نفحة»: لا أحد يُشبهني، ولن أشبه أحدًا

كمال قرور

كمال قرور يظلّ وفيًا لنفسه، يستعين بالأسطورة للسّخرية من الواقع. في روايته الأخيرة «حضرة الجنرال»(منشورات الوطن اليوم، 2015)، ينبش الكاتب في التّراث، يستعيد تغريبة بني هلال، يجعل من شخصية ذياب الزّغبي بطلاً قوميًا، في لحظة ضعف، ويجمع بينه وبين غابريال غارسيا ماركيز، هذا الأخير يجلس إلى ذياب ويستمع إليه كتلميذ مطيع، ويدوّن مذكرات البطّل ومغامراته في دولته: «الإمبراطهورية».

في «حضرة الجنرال»، الأسطورة والواقع يتقاطعان، فما حصل في الإمبراطهورية يشبه، إلى حدّ كبير، ما يحدث في الجزائر الآن. فمن هو نظير ذياب الزّغبي اليوم؟ في هذا الحوار مع مجلة «نفحة»، يتحدّث كمال قرور عن بعض تفاصيل الرّواية..

في رواية «حضرة الجنرال»، تردّ الاعتبار لذياب الزّغبي، واحد من أبطال «تغريبة بني هلال»، الذي لم ينل حقّه في دفاتر المؤرخين. في الرّواية نفسها يلعب ذياب دور بطل ونظير بطل. ما هو سبب انزياحه من واجهة الحكايات الهلالية؟

اطلعت على «التّغريبة» في وقت مبكّر، فكانت بردًا وسلامًا على ذاكرتي، وإخصابا لخيالي، وكنت أراها مثالاً جذابًا للسّرد القصصي العربي السّاحر والممتع. لذلك، حين اطلعت لاحقا على آداب الشّعوب القديمة والحديثة والمعاصرة، لم  أكن منبهرًا، بل كنت متوازنًا، وأنا أتشرّب وأهضم ما أنتجته المخيلة البشرية.

صحيح، هناك روايات شفوية متقطعة ومقتطعة من التغريبة، متداولة في شمال أفريقيا وفي المشرق العربي عن ذياب الزّغبي، لكنها لم تعطه حقّه، كعسكري أوليغارشي انفرد بالسّلطة وبطش بشعبه. حين اطلعت على «التغريبة»، في المرحلة الأخيرة من القراءة، بعد القراءتين السّابقتين والمتباعدتين، كانت المفاجأة أني واجهت مشاكل العصر في الفصول الأخيرة منها. وهذا ما شجعني أكثر لأشتغل على هذا العمل.

في البداية، لم يكن ذياب غايتي. لكن، نهايته المأساوية على أيدي اليتامى نبهتني إلى جدية الطّرح الفنّي في النصّ التّراثي واختراقه لحجب المستقبل، فقد أجاب عن سؤال ظلّ يُراودني قبل اندلاع ثورات مايسمى «الربيع العربي»: كيف تكون نهاية الطّاغية، هل بانقلاب جيشه عليه أم هناك نهاية حتمية أخرى بديلة؟

تطلق على ذياب الزّغبي صفة جنرال، وتضعه في سياق زمنيّ مُعاصر. هل فعلاً أن التّاريخ يُكرّر نفسه، وأن سيرة ذياب ماتزال مستمرة؟

أعتقد أن من يقرأ النصّ يشعر بهذه الحالة الملتبسة، وقد يصدم في البداية. لكن، القارىء الذكي سرعان مايتقبّل اللعبة الفنية، ويهضم الفكرة وينسجم مع السّرد المخاتل الذي يفضح الواقع ويزيل الغشاوة بأساليب مبتكرة.

شخصيًا، كنت مرتبكًا في البداية وخائفا، من هذا التجريب المجنون الذي يتجاوز السّائد والجاهز، وكنت أتساءل في داخلي: «علاش»؟ لماذا؟ لكن ثقتي في إحساسي وحدسي جعلاني أمضي في التّجربة متجاوزًا كل المثبطات والتّحديات.

لم تستقم الرواية التي عجنتها مرّات وكتبتها أكثر من مرة قبل أن أقتنع بها في صيغتها النهائية بعد أن اطلع بعض الأصدقاء على فصولها وأفادوني بملاحظاتهم القيّمة. كانت تجربة صعبة حقًا، للوصول إلى الشكل النّهائي الإستثنائي المنشود..

صراحة، كانت الرواية تأخذ مسارًا آخر وبعدًا آخر، وتؤصل التّجربة، لما اكتشفت الخيط الرّفيع الرابط بين ما مضى في تاريخنا وما يحدث اليوم، ساعتها اقتنعت أن ذياب صورة بالأبيض والأسود لحضرات الجنرالات الجمهوريين والقومجيين في عصر الألوان والرقمنة. ياله من تراكم استبدادي متوحّش ومتحرّش غشيم يعيد التّجربة المؤلمة كل حين.

غارسيا ماركيز لا يكتفي بالحضور، في الرّواية، كشخصية ثانوية، بل نجد ظلّه وظلّ «مائة عام من العزلة» في الرّواية بأكملها.

نعم، ماركيز حاضر في النصّ وبحياد نسبيّ، لكنك ستتفاجأ حين أخبرك أن فكرة ماركيز راودتني بعد الانتهاء من كتابة الرواية، أي في المرحلة الثالثة، ولم يكن مطروحًا منذ البداية، بل استدعته الرواية وتوسلته كضرورة فنية في  شكلها النهائي، للتماهي مع الموضوع ولإحداث المفارقة الزّمنية/الصّدمة.

أما ظلّ «مائة عام من  العزلة»، فقد يراه القارىء والنّاقد دون أن ينتبه إليه الكاتب، ولن أخفي عليك أني لم أقرأ «مائة عام من العزلة» رغم شهرتها، في حين أعترف أني قرأت واستمتعت بروايتي «خريف البطريرك» و«الجنرال في متاهته». قراءة كانت ضمن ما قرأته من مراجع للاستئناس بالموضوع. بكل صدق، أنا أحترم تجربة ماركيز، وتعجبني أكثر قصصه  القصيرة اللذيذة، ولكني أشعر دائمًا أن المبدع السعيد بوطاجين هو من سحرني بنصوصه العجيبة ويدفعني كل مرة لاقتراف هذه «المسوخ» الفنية كما يحلو له أنه يسميها.

غلاف الرواية

تلعب على المجازات، وتتحايل على التّاريخ أيضًا. في الرواية شكل من أشكال الكتابة المارقة. المتمرّدة. تندرج في سياقات مقاربة لما قرأناه في الروايتين السّابقتين: «التّراس» و«جمهورية الخراب». كما لو أنّك تؤسس لرؤية شخصية في تجربتك.

هذه ثلاثية الاستبداد والعبودية/«الطْحين» والحرية. وهي الآن بين يدي  القراء والنّقاد، ومن حقّهم أن يشرحوها تشريحًا موضوعيًا بعيدًا عن المؤلف.

الآن، والآن فقط أتشوق لمعرفة مدى قدرتي على ملامسة الجرح. أقول هذا لأني لا أصدق صراحة أني أنجزتها وتخلّصت من الكابوس. فحين كان يسألني بعض الصّحافيين عن الجديد كنت أشعر بالحرج والارتباك. لأني بصراحة لم أكن مقتنعًا أني سأواصل الكتابة، فما بالك الكتابة وفق هذه الرؤية الشخصية التي ذكرت والتي أصبحت  تفرض نفسها علي وتستدعي أساليبها وجمالياتها حين تستبد بي الأحداث والشخصيات الروائية. والغريب أن مشروعي الصحفي في «فنتازيا» كان بداية لإرهاصات تجربة مختلفة، فحين أوقف البوليس مشروعي وصادر حلمي، وحكم علي القضاء بالسّجن غير النافذ، ثم منعني من الكتابة مدة خمس سنوات، حلّت مرحلة العزلة، وهي مرحلة «مابعد الخوف»، بعد أن واجهت بشجاعة الاستنطاق والابتزاز بمفردي، وبصدرٍ عارٍ، ودون حماية من أية  جهة. نعم، خسرت يومها كل شيء وربحت  نفسي. لذلك، كانت هذه الخصوصية الإنسانية التي قررت أن أكوّنها: لا أحد يُشبهني، ولن أشبه أحدًا. وطبعا البصمة الإنسانية تعكس البصمة الفنية بكل تأكيد. ولأن ظروفي كانت خاصة جدًا، فإن الأصدقاء المقرّبون كانوا يستغربون متى كنت أكتب هذه الروايات؟ الحقيقة، كنت أسرق الوقت لأبدع.

في «حضرة الجنرال» يمتزج الواقع مع الأسطورة، ويصعب أحيانًا الفصل بينهما. توظّف شخصيات من الواقع وتدرج الواقع في المتخيّل. هل ما حصل في «الإمبراطهورية» هو نفسه ما يحصل في الجزائر الآن؟

أنا من المقتنعين أن الواقع أصبح أغرب من الخيال، واقعنا تؤسطره الخرافة والدروشة والجهل، بينما واقع الآخرين تؤسطره التكنولوجيا والعلوم، فهو عصر أسطرة بامتياز. وللأسف، فإن ذهنيتنا لاتستوعب المنطق والعلم والتكنولوجيا بقدر ماتستوعب الخرافة والدروشة. دون شك أن ما يحدث في «الإمبراطهورية» ليس محض خيال، بل هو نابع من الواقع. واقعنا وواقع هذا الفضاء الجغرافي والسياسي الذي ننتمي إليه. وطبعا نظرتي إلى الكتابة الأدبية ترسخت الآن بقناعات جمالية، بعد أن ترسخت من قبل بقناعات معرفية.

في الجامعة، في منتصف الثمانينيات، كنت قد أنجزت بحثًا بعنوان: «الواقعية الحضارية»، انتقدت فيه الواقعية النقدية والطبيعية والاشتراكية، وعلى ضوء قراءتي ﻟ«موسم الهجرة إلى الشمال» للروائي العربي الكبير الطّيب صالح وما كتب عنها من دراسات، اكتشفت أن واقعنا يختلف عن الواقع الذي أنبت بقية الواقعيات الغربية. واقعنا يتميز بالخرافة والسّحر واللامعقول وعدم الاحتفاء بالعلم ولايحفل بقيّم العدالة وحقوق الإنسان والمواطنة، فالإنسان في واقعنا مجرّد تابع أو خادم أو خمّاس أو عبد أو مستعبد. بينما السيد الحاكم لا يقبل أن يكون إلا «شبه رب» يستبد و«يتربب».

يصادف القارئ، في روايتك، شذرات من كتاب «مقالة في العبودية المُختارة». هل كُتب على العربي أن يخرج من عبودية ليدخل في أخرى، من دون أن يدري؟

نعم، إن تاريخنا العربي – عدا بعض الاستثناءات – هو سلسلة من العبوديات المتعاقبة، ودائرة مفرغة من أوكسجين الحرية. كلّ حقبة يسيطر فيها المستبدون باستغلال شرعية ما تكون مهيمنة في عصرها على الأذهان، لذلك كان الإنسان العربي ذاك الخاضع والقابل للخضوع الطّوعي. والحقيقة أن «مقالة في  العبودية المختارة» لما صادفتها بعد أن قطعت شوطًا كبيرًا في  الكتابة، عززت قناعاتي ورؤاي، فحين تطلع  على  أشياء تعزّز مواقفك وطروحاتك أكيد «يطلعلك  المورال». وقد حدث معي الموقف نفسه في رواية «سيد  الخراب»، حين  صادفت نص الظلم لابن خلدون. هذه المصادفات الجميلة غالبًا ما أستأنس بها، وتكون قيمة معرفية مضافة للنصّ.

أحترم تجربة ماركيز، وتعجبني أكثر قصصه القصيرة اللذيذة

الجنرال ذياب الزّغبي انتصر على خصومه، نجح في تمييع معارضيه، حقّق كلّ شيء، لكنه فشل في شيء واحد: الحبّ. كيف ينتقل فرد عادي، من إنسان لديكتاتور، ويحوّل الموجود إلى ميثومانيا؟

نعم، نجح الجنرال ذياب في  مشروعه «التّخريبي»، بعد أن قتل منافسيه ونفى معارضيه ودجن شعبه، وسمح لنرجسيته أن تتضخّم فوق العادة وتعلو فوق المؤسسات، ويصبح صوته الأعلى، وتصبح خطبه التمجيدية الدعائية الرنانة تصدح بالأكاذيب، يصدقها هو لاحقا ويصدقها شعبه. حين تُبنى العلاقة بين الحاكم والمحكوم على الأكاذيب فإن نهايتها مأساوية وخيمة. لذلك، كان العنوان الفرعي للرواية: «التخريبة الرسمية»، وهو يعتقد أنه يؤسس «لإمبراطهورية» تليق بمقامه، بينما كان يضع  اللمسات الأخيرة لحياته التراجيدية ويحفر قبره بيده.

معظم الدّيكتاتوريين عشّاق، لهم مهارة في  جذب الجنس الآخر إليهم، وحياتهم لا تخلو من المغامرات «النسوانجية»، حسب ما تقول سيرهم. لكنهم في الوقت  نفسه يستبيحون شعوبهم ويستعبدونهم ويحجبون عنهم شموس الحرية والديموقراطية والتّقدم. والطريف أن نهايات بعض المستبدين المأساوية كانت بصحبة عشيقاتهم، وهذه هي المفارقة، الديكتاتور بطبعه جبان وخائف، وشكّاك ولايثق في أحد. لذلك فضّلت أن يقتل ذياب، في الرّواية، حبيبته بطلقته الوحيدة، ثم يقبل أن يطعن وهو بقربها. لأن حبّه براغماتي زائف وإلا كان اختار له نهاية سعيدة.

الرّواية جاءت بشكل مونولوغ طويل، ثم نهاية «مُستعجلة»، كما لو أنك، بعدما انتصرت لذياب الزّغبي، أردت في الأخير أن تعيده إلى مكانه: كقائد بطموح كبير، لكنه متعجرف، تمكّن من هزم خصومه المقرّبين منه، وفشل في الفتوحات الكبرى التي بشّر بها.

المونولوغ كان ضرورة فنية بعد تجريب عدة طرائق غير مقنعة وفاشلة لم تستوعب الفكرة، حيث استعصى عليّ التسلل إلى نفسية ذياب الزغبي لأكتشف الكوّة التي ينظر منها إلى الآخرين. لكنها، كانت مغامرة غير محمودة العواقب، فقد عجزت في البداية التماهي معه وتلبس أناه، وكنت أظنني سأفشل في  المحاولة، حاولت مرات معه حتى استطعت استنطاقه. كان المونولوغ امتدادً لرؤيته وسلوكه وسطوته وأحاديته. وراعى المقام لأنه كان في لحظة اعتراف مستعجلة بعد طعنه وقبل أن يداهمه الموت. أما استعجال النّهاية فهي أيضا مقصودة، نهاية الديكتاتور غالبًا ما تكون مستعجلة وغير متوقعة، حتى الذين عانوا من ويلاته لايفتؤون يتساءلون: هل سقط حقًا؟ إن هذا الطّاغية الذي يعمّر طويلا، يكون سقوطه سهلاً، بعد أن تتوفر الظروف الموضوعية، فعرشه هشّ. أما فيما يخصّ الشق الآخر من السؤال، فهذا بيت  القصيد: كل المشاريع مؤجّلة، بل تتبخّر مع الأيام، ومشروع الديكتاتور الكبير هو  تصفية الخصوم، ووضع  المتاريس في  طريق شعبه، ليمنعه من التّفكير والحلم، وذلك ليعمّر أطول. الديكتاتور مخادع  ومخاتل، ولا يهمّه التقدّم وحقوق الإنسان. لذلك يراوغ ليحقّق غرائزه بعد أن يوزع الأوهام على شعبه في كل المناسبات.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …