الخميس، 29 أكتوبر 2020

البشير حاج علي: هشاشة الجسد وصلابة الموقف

البشير حاج علي

يُعدّ المناضل والكاتب اليساري الجزائري البشير حاج علي (1920-1991) صوتاً مُتفرّداً، في مسار الأدب الجزائري، فعبر تجربة سياسية خاضها الرجل لأكثر من خمس وأربعين سنة من المُمارسة الحزبية ضمن الحزب الشيوعي الجزائري، ظلّ صاحب «التّعسف»(L’arbitraire)، وفيًّا لقناعاته ومبادئه، حتى آخر رمق من حياته، مُكرّساً كتاباته وحياته للالتزام بقضية العدالة والدفاع عن الشرعية المُغتصبة، لوطن كانَ يراهُ البشير حاج علي ملكًا للجميع وليس لطغمة عسكرية، أقامت نفوذها على الانقلاب ومُصادرَة الحريات، من هنا كان صدامه مريراً مع سَدنَة الانقلاب العسكري في 19 جوان1965، الذين أذاقُوه شتَّى أنواع التعذيب وأشنع صُنوف التنكيل، الذي طال جسده الرهيف بالكثير من النُدوب والجروح الغائرة، غير أن روحه ظلت مُتوثبةً عاليةً، تصدح بأعذب الأناشيد من أجل الحرية؛ ولعل كتابه «العسف» الذي تمَّ كتابته داخل أقبية السجون بأوراق المراحيض، وتم تسريبه للرفاق – خارج الأسوار، ثم نُشر بعد ذلك بفرنسا في طبعة أولى عن منشورات «مينوي» عام 1966، أن يَفتحَ أعُيننا على اتّساعها، حول تجربة قُصوى، تعكس معاناة مناضل، وانسحاقه داخل العتمات والزنازن المظلمة.
ولكن قبل هذا…من أين تبدأ الحكاية؟ حكاية النشأة وسط الإعصار: ولد البشير حاج علي بالقصبة في العاشر ديسمبر سنة 1920، من أسرة ميسورة الحال، نزحت من منطقة أزفون تاركةً كل مُمتلكاتها التي صادرها الفرنسيون عُنوةً من أهلها، زاول الفتى تعليمه بالمدرسة القرآنية بالموازاة مع التعليم النظامي، من خلال مدرسة «ساوري» بحي القصبة المخصّصة للأهالي، ثم انخرط في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية.

غلاف كتاب التّعسف

كما رافق الحاج محمد العنقى في عدة سهرات رمضانية، كانت تُحييها فرقته في أرجاء العاصمة، وهو ما وثَّق عُرى الصداقة بينهما لسنوات طوال، وزوَّده بثقافة موسيقية رائدة. وما إن ابتسمَ له الحظ في افتكاك تأشيرة النجاح في مسابقة خاصة للالتحاق بدار المعلمين ببوزريعة، حتى انتكَست ظروف الأب الصحية التي أفقدته الوظيفة، الأمر الذي اضطَّر الابن- فوريًا للعمل- وهو في سن السابعة عشرة- في مهنٍ شتى، كحمّال بالميناء، وعاملٍ بمصلحة البريد والمواصلات، هذه التجربة القُصوى فتحت عيناَ ووعي الفتى على معاناة العمال البسطاء ومكابداتهم، وسط شروط استعمارية قاهرة. في العام 1945 سيشكّلُ منعطفا حاسماً في مسيرة البشير حاج علي، حيث انتسب إلى الحزب الشيوعي الجزائري، كعضو فاعل، سَاهم بقسط كبير في جريدة «الجزائر الجمهورية» -الناطقة الرسمية باسم الحزب- ثم رئاسته لأسبوعية «ليبرتي» عام1948، ليعُيّنَ بعد ذلك، أمينا عاما للحزب عام 1951 بعد طرد عمر أوزقان من صفوف وكوادر التنظيم والهيئة العليا للتسيير، عشية اندلاع الثورة المسلحة، تَمَّ اعتقاله من قبل السلطات الاستعمارية، والحكم عليه بسنتين نافذة. في العام 1956 سَتكون سنة مفصلية ومنعرجا تاريخيا هاما، إذ باشرت قيادة أركان جبهة التحرير الوطني- وعلى رأسها عبان رمضان- مَساعيها، قصد التفاف الفصائل الأخرى المنضوية تحت لواء الحزب الشيوعي الجزائري، للانضمام الفوري إلى جيش التحرير الوطني في مواجهته المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم. وهكذا عاش البشير حاج على، خلال تلك الفترة، مُتخفياّ، بعد خروجه من السجن، مواصلاً نضاله المستميت في السريّة، رفقه مناضلين آخرين آمنوا بالحرية، وراهنوا على الاستقلال.


واصل البشير حاج علي نضاله والتزامه بقضايا الشعب، الذي نذر نفسه له، بوعي نافذ وإيديولوجية صارمة، لا تعرف التراجع والنكوص في المواقف والكتابة والحياة، إذ يُعدّ من المؤسّسين الأوائل لإتحاد الكتاب الجزائريين، رفقة كل من مراد بوربون، ومالك حداد، وكاتب ياسين، وكانت أشعاره -على نحو خاص- مُتسقةً مع موقفه ورؤيته لجزائر متحرّرة من كل الرواسب والموروثات البالية، التي تَرهنُ تقدّم المجتمع وتكبحُ مسيرتَه نحو التطوّر والعصرنة.
لم يكن البشير حاج علي، من طينة الكُتاب المُهادنين أو المُمالئين للسلطة، بل كان يجهر بصوته عالياً وفقَ مَا يتطلبُه الموقف الشجاع، والكلمة الحرّة، النابعة من التزامه بقضايا وهموم شعبه ونضاله الدؤوب، من أجل الكرامة والحرية، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. لذا وقف بشدّة، مع رفقاء له، ضدّ الانقلاب العسكري، بقيادة العقيد بومدين في 19 جوان 1965، الذي أَحكَمَ قبضته بقوة على مفاصل وأركان الدولة الجزائرية، وهو ما كان يُعدّ في نظره، انتهاكً للشرعية، وضربة قوية للدولة المَدنية في الصميم، الأمرُ الذي عَرَّضه للتوقيف والاعتقال، مع أبرز الشيوعيين الجزائريين، كحسين زهوان، ومحمد حربي، يوم 20سبتمبر 1965، بعد تأسيسهم لمنظمة المقاومة الشعبية، المُناوئة لحكم العسكر.

ومن هنا تبدأ معاناة البشير حاج علي، مع التعذيب الذي شرحه باستفاضة في كتابه التّعسف، مُسلطاً الضوء على أفانين التعذيب التي تعرّض لها جسدُه الهَشّ، كنزع الأظافر، والصَعقُ الكهربائي، في مناطقَ حسّاسة من الجسد، كالخصيتين والقضيب، وتظلّ عملية الخوذة الألمانية البشعة، من أشنع ما يتعرّضُ له السجين المُعتقل، بحيث يُحشَرُ فيها رأس المسجون ،ويتعرّضُ- تَبعاً لذلك- للضرب بقوة من فوق، الشيء الذي يعُرّضُ الضحية للاختلال، وفقدان الذاكرة بالتدريج، وذلك كإجراء أولي من الجَلاّد لنزع الاعتراف من الضحايا المُستَجَوبين. كما يستعرض-المؤلف السجين- سيرة الأمكنة، ومراكز التعذيب، التي تَنقَّلَ إليها البشير حاج علي، كمركز بوراسو، ولامبيز، والدرعان بعنابة، التي قضى بها ثلاث سنوات، قبل أن يتوجه رأساً إلى مدينة العين الصفراء بالجنوب الغربي الجزائري، موضُوعاً تحت الإقامة الجبرية لمدة سنتين من سنة 1972 وإلى غاية 1974.

على هذا النحو، يُعتبر هذا الكتاب أول سيرة ذاتية للتعذيب في الجزائر بعد الاستقلال، كما يُعتبر شهادة إدانة صارخة مُنددة بالظلم والحيف، الذي تعرّض له المثقفون، نظير مواقفهم النضالية الجريئة تُجاه السلطة التي سرقت من هؤلاء زهرة أعمارهم الغضّة في تلك السنوات العاصفة،لَكنّها – لم تستطع بالمقابل- أن تمنعهم من الجَهر بقول الحقيقة والالتزام بمدنيّة الدولة بعيدا عن قبضة العسكر والنظام الأوليغارشي المُستبد. في هذا السياق يقول الروائي واسيني الأعرج عن صديقه البشير حاج علي: «قضى البشير حاج علي سنوات كثيرة في سجون الاستعمار الفرنسي، ثم سنوات أخرى أكثر مرارة في سجون الاستقلال العظيمة، التي لم تكن تختلف عن أخواتها، بل أنها أحياناً اختزلت المُمارسات الوحشية السابقة لأجهزة الغيستابو، والسافاك الإيرانية، التي أَمعَنت في فنون التعذيب وتشويه الجسد الإنساني». وبالرغم من الألم ، ظل البشير حاج علي ثابتا في مواقفه وفيًا لقناعاته، لم ينحن لجبروت السلطة، بل ظل واقفاً كالصفصافة السامقة لا تهزّها الرياح والأعاصير.


في رسائله إلى زوجته لوسات أو صافيّة -كما كان يحلُو له أن يُناديها- والتي أفرجت عنها رفيقة دربه، ونشرت لأوّل مرة بالجزائر العام 2002، يبدو البشير حاج علي مناضلا صلباً، ومثقفا واعياً، لا يتنازل عن مبادئه وقناعاته قيد أنملة، مهما كلّفه ذلك من تضحيات جسام، ومعاناة يومية، ذاق مرارتها بضراوة داخل أقبية الزنازن الباردة، وانعكست سلباً على صحته وجسده الواهي الضعيف، كما يتبدَّى لنا ذلك بين سطور رسائله المفعمة بالحنين والأمل، لإنسان رقيق المشاعر والأحاسيس المرهفة، حيالَ زوجة مثقفة قاسمته حُلو الحياة ومُرّها، استشفافاً لتلك الشموس المضيئة التي كانا يبحثان عنها، ولغد مُشرق على الجميع، ينعمُ فيه الكلّ بالعدالة والكرامة الإنسانية المفقودة. يقول البشير حاج علي في رسالة مؤرخة له في 22 نوفمبر 1965 : «عزيزتي صافية…أنا موجود في سجن لامبيز منذ 20 نوفمبر، قيل لنا أننا سجناء سياسيين، وهذا يعني أن محاكمتنا، لن تكون غداً. بدأنا في تهيئة زنزانتنا، أخذنا لأول مرة منذ شهر حمام ساخن، مررنا إلى الحلاق، ثم إلى الطبيب، الذي وصف لي أدوية لإخماد آلام القرحة المعدية، ونصحني بإعادة الأشعة في شهر سبتمبر الفارط… رسالتك الأخيرة أراحتني كثيرا، سعدت لوقوفك الشجاع إلى جانبي.عرفت اليوم أكثر من أي وقت مضى وجودك في حياتي، كم كُنت سعيدا بقربك، كم هو جميل الحظ الذي جمع قلبينا على الحب…».

رفقة زوجته لوسات

ويقول في رسالة مؤرخة في 3أكتوبر1966: «أشعر اليوم، أنني محتاج إلى إعادة قراءة كتاب: لا مساواة الأجناس، للكاتب غوبينو، أنت تعلمين جيدا، أن هذا الكتاب هو الأساس العلمي لنظرية العنصرية لدى هتلر، والتي لو نجحت أو عمّرت، كانت ستبيد ليس اليهود فقط؟ لكنها كانت ستسحق شعوب إفريقيا وآسيا…». ويقول لها في رسالة مؤرخة في 5 ماي 1966، بعد أن ساءت أحواله الصحية: «زوجتي العزيزة..حبيبتي البعيدة، حبي الدائم، وضعيتي هذه الأيام سيئة جدا، لا جرائد، لا زيارات، لا رسائل، عزلة تامة….كم هو مؤلم ألا أقرأ رسائلك، ألا أسمع صوتك، ألا أقاسمك متعة رؤية الأشياء الجميلة. ألا أسمع معك موسيقى، ألا أعيش بجانبك، ألا نكون معا ليل نهار…أرجو أن تسامحيني عن كل الآلام التي سببها لك سجني، هي أوقات عصيبة جدا، لكنها ستقوي علاقتنا وتمنحها التجدّد الذي يغذي حبنا، كوني واثقة، شجاعة، سنلتقي حتما مرة أخرى لنعيش حبنا..أعدُك أنني سأحبك أكثر…»

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …