الجمعة، 3 ديسمبر 2021

غرمول.. من نصوص الإرهاب إلى ديوان الفساد

د. إسماعيل مهنانة

يسألونك عن وضع الجزائر في السّنوات العشر الأخيرة قل هي انتقال سلس من مرحلة الإرهاب إلى عصر الفساد الأوّل.

وبلغة مُهذّبة: لا شيء في الأفق سوى أن عصابات الحرب أعادت ترتيب المِلكية وأعادت توزيعها حسب نظام الغلَبة، في كلّ مرّة يتم ترتيب سلام مؤّقت تحضيرًا لحرب أخرى والرّهان واحد: اقتسام الرّيع والعقّارات والحسابات البنكية والمناصب.

لم يعد مفهوم الدّولة يعني شيئًا آخر غير التّموقع في سلّم النّهب المنهجي بالوسائل البيروقراطية الموروثة من زمن الاستعمار. هذا ما يُمكن فهمه في صيغته الأدبية، من روايات عبد العزيز غرمول(1958-).

في 2005، نشر عبد العزيز غرمول روايتين في التأريخ للإرهاب: «زعيم الأقلّية السّاحقة» و«عام 11 سبتمبر».

هذا العام، نشر الكاتب نفسه روايتين في التّوثيق للفساد: «اختلاس رواتب الموتى» و«مصحّة فرانز فانون».

فما الذي تغيّر بعد عشر سنوات؟ انتقال من براديغم الإرهاب إلى نسق الفساد المُعمّم.

في «عام 11 سبتمبر»(منشورات المكتبة الوطنية)، يُدخلنا غرمول عوالم الإرهاب والجوسسة والعملاء المزدوجين، حيث تتداخل التّخوم بين المقاتلين داخل ساحة الحرب الأهلية، لذلك جاءت الرواية ذاتها في شكل متاهة مُعقّدة تحكي سيرة العميل المزدوج «منصور»، الذي يصعب تحديد انتماءه وهواه، فهو يعمل للجهتين، جهة الجماعات المسلّحة وجهة المخابرات: «أسرّة كثيرة في غرف متعددة.. ومواعيد يتغيّر مكانها وزمانها في آخر لحظة.. ورجال كثيرون يلتقون حولي أو يتقاطعون معي دون أن يعرف بعضهم البعض.. وفي كل ذلك ما يهمني بالدرجة الأولى هو مخارج النّجدة: يجب ألا يطبق عليّ هذا الزمن فكّيه قبل أن تنتهي مهمتي في هذا المكان» نقرأ.

عام 11 سبتمبر

في ذلك الخريف الثّاني من بداية القرن كنّا نستيقظ مترنحين لا نكاد نرسو على مشية محددة، كنا نتماثل لنقاهة شكلية، كمن يعود من غيبوبة أزلية، كنا نخرج متكاسلين من حرب أهلية تشابهت على أبطالها الأعلام والألوان والأعداء، فاختلط الحابل بالنابل، وارتدى الجلاد ثوب الضّحية، تماسخت الذّئاب الرمادية في بياض القطيع وانصهر الجميع في مراق المرافعة عن الحقّ العام. حربنا الأهلية كانت دوّامة نسينا مركزها فرُحنا نحلّق في تخومها كسربٍ تائهٍ من السنونوات. راحت الدوامة تتسع خلفنا فتُرخي من وطئها على ظهورنا التي كانت على شفير الانفلاق. من بين كل شهود النهايات كنّا الوحيدين الذين نتفرج على تلك القيامة الأمريكية من زاوية الناجي المتشكك في خلاصه. الكارثة ليست ما ينتظرنا ولكنا ما تركناه خلفنا، ومع ذلك لا تزال بقايا البقايا تجتر النقع الدّبق للأجداث المكدّسة تحت سديم النّسيان المرتّب في تسوية مغشوشة.

فمن هول الفجيعة راح الجميع يزايد على الجميع الاعتصار على وقع آلام الضحايا، كان الجميع يرتدي ثيابًا مضمخة بالدّماء حين خرجنا من نهاية القرن لبداية قرن جديد، وكنّا نعضّ ألسننا بين أسناننا المصطكّة ونرتعد كمن يخرج من حمام بارد يطلب الدفأ تحت شمس الصباح.. ولكن..

غلاف الرواية

أمّا رواية «اختلاس رواتب الموتى»(منشورات النهضة – الجزائر)، التي صدرت قبل أيام، فهي عبارة عن ومضة سردية في تفاهة الشرّ، حيث تروي قصة شخصيات تافهة وهامشية، تتدرج في اللصوصية بشكل كاريكاتوري، يُحاكي الواقع بسخرية لاذعة.

بطل الرّواية «زعتر»، لا يملك من البطولة إلا شهرته كمُحتال كبير، اكتشف ثغرة قانونية في صندوق المعاشات الذي لا يسجّل أسماء المتقاعدين الذين ماتوا إلا عبر موظّف مهمّش في الأرشيف يمكن التواطؤ معه، فتبقى معاشات الموتى تُصرف إلى مركز البريد الذي يمكن التواطؤ مع موظّفة صغيرة فيه، هكذا يتمّ تشكيل «جماعة أشرار» بكل سهولة في الجزائر.

«كان المخطط في الحقيقة سماوي كما سيعترف محامي الدّفاع فيما بعد. فقد قيّضت أبراج وطوالع كثيرًا من الحظّ لشباب أبرياء، مدمني مخدرات وتلفزيون وأحلام، كي يصبحوا أبطالا في نظر النّاس، ومجرمين في نظر الحكومة، وإلا ما كان يمكن أبدًا لرجلين وامرأة، وبعض النّوايا الخبيثة، وبعض الموظفين القابلين لبيع ذممهم أن يحتالوا على أكبر مؤسسة مالية تُحظى باحترام المتقاعدين، أي نصف البلد تقريبا» نقرأ في « اختلاس رواتب الموتى».

هكذا، ينزل عبد العزيز غرمول بالقارئ من عالم مُثخن بالأخطار، والترقّب، والتوجّس إلى عالم منخور بالتفاهة واللا جدوى، والسّخرية السّوداء، وهو نفس مسار التحوّل الذي عرفته الجزائر في العشرية الأخيرة، حيث كان الانتقال سلسًا من العنف إلى اللصوصية، من الإرهاب إلى الفساد، من الحرب إلى سلم مفخّخ ومغشوش. ولهذا فهو يصرف الفكرة ضمن لغة سردية متسارعة خالية من الوصف الشّعري والتّنميق اللغوي، بل يقدّمها هكذا جافّة حافية على حافة الزمن الحادة، لكي تُحاكي الواقع البائس.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …