الإثنين، 26 يونيو 2017

القُبلة والعناق قِبلة المسلم، إذ الله حبّ وسلام

 

فرحات عثمان
فرحات عثمان

بمناسبة اليوم الوطني للعناق والقبل بالجزائر، في هذا العاشر من ديسمبر، لنجعل من القبلة في حياتنا هذا النّهار، على الأقل، قِبلة المُسلم في الإسلام، دين الرّحمة لا النّقمة؛ فالله رحمة وحبّ وسلام!

هذا ما فهمه أهل التّصوف، وقد أتوا بأفضل قراءة للإسلام؛ إسلام المغرب الأمازيغي العربي لا إسلام الشّرق الذي تهافت وغوى فهوى إلى سجين.

زمن الجماهير يقتضي تحرير الأحاسيس

زمن الجماهير أظلنا، إذ ما بعد الحداثة هي حقبة سلطة الشّارع المتزايدة يومًا بعد يوم. وبالطبع، ليس من الضّروري أن تكون هذه السّلطة ظاهرة الملامح، بادية للعيان حتى يثبت وجودها؛ فهلا نرى الهواء إلا في تجليات غير مباشرة؟ وهلا يهدر البركان فيلفظ حممه إلا بعد زمن طويل من الانفعالات الباطنية لا ينتبه إليها الجيولولوجي، العالم بالطّبقات الأرضية؟

نحن اليوم إذن بحاجة قصوى إلى الانتباه لما يقع بمجتمعنا الذي غدا كالبركان؛ فإن استدامت الحال على ما هي عليه، لن يبطأ عن الثوران لخطورة ما ينفعل ويفتعل داخله. إننا بكلّ البلاد العربية، بل في العالم أجمع، إزاء قدر ضاغطة لا بدّ لها من متنفس وإلا انفجرت عن قريب. ولا شك أن هذا المتنفس، خاصة بمجتعاتنا العربية الإسلامية، لا يكون إلا على مستوى الميدان الذي كثرت فيه العراقيل والكوابل لأجل حياة هادئة لا تشنج فيها ولا هستيرية، أي على صعيد العواطف، بل والجنس أيضا، بما أن الجنس هو الحياة أحببنا ذلك أم كرهناه.

أليست الحياة في اللغة العربية هي الحيوان؟ في هذا الإطار بالذّات تتنزل التّظاهرة التي تجرأ بعض شباب الجزائر ممن يحملون مستقبله على عواتقهم وحبّه بقلوبهم على الدّعوة لها؛ وهي هذا اليوم الوطني للعناق والقبل الذي أرادته هذه الشبيبة الناشطة احتفالا خاصًا للجزائريين على طريقتهم المبدعة باليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يحتفل العلم أجمع به. فحقًا، ما معنى الاحتفال بحقوق الإنسان إذا لم يكن للجزائري الحقّ في التّقبيل والعناق هذا اليوم؟

القبلة لها يومها العالمي

ليس مثل هذا اليوم الجزائري بدعة، بما أن هناك اليوم العالمي للقبلة وقد أقره المنتظم الأممي وحدده في السّادس من شهر جويلية.

في هذا العيد، تُقام بالكثير من بلدان العالم فعاليات مختلفة، فتجري فيه مسابقات متنوعة يتنافس المشاركون فيها مثلاً على أطول قبلة أو أجمل قبلة. والغالب على الظنّ أن بريطانيا العظمى كانت موطن الفكرة الأصلي حيث عُرف بها هذا العيد منذ نهاية القرن التاسع عشر. فلتشجع السّلط الجزائرية شبيبتها على العناق والقبل في هذا اليوم جاعلة منه أفضل تحيّة لحقوق الإنسان المسلم؛ بل ووسيلة ناجعة لمناهضة الكراهية والعنف، والإرهاب خاصة؛ إذ الطّريقة الفُضلى لمجابهته تبقى ولا شك التشجيع على الحبّ ومظاهره.

لا شك أن القبلة هي مدخل أحاسيس المحبّة وبابها الواسع. طبعا، سينبري، ولا شك في هذا اليوم، للاحتجاج أهل التّزمت وكلّ من لا دين له حقيقة، ومن ديدنه التّجارة بتعاليم دين مسخها الأعداء من الدّاخل والخارج جاعلة منه ملّة الرهبوت والنقموت لا دين الرحمة والمحبة. سيقول هؤلاء أن الإسلام يمنع القبل والعناق وأن ذلك مما تفرضه الأخلاق وقيم المجتمع؛ ونحن نجيبهم مُسبقا: متى كانت الأخلاق الصّحيحة هي الكراهية والعبوس والتولي عن الغير؟ ألم يأتى الرّسول(ص) بمكارم الأخلاق؟ فأي مثال أسنى للأخلاق الكريمة سوى القبلة والعناق؟

ليس مثل هذا اليوم بدعة، بما أن هناك اليوم العالمي للقبلة
ليس مثل هذا اليوم بدعة، بما أن هناك اليوم العالمي للقبلة

القُبلة والعناق في الإسلام الصّحيح

إن الإسلام ثورة مُستدامة، وهو سماحة وطلاقة وجه رغم عبوسها اليوم، بما أن الابتسامة زالت ببلاد الإسلام عن الثغور وهي رغم ذلك خير ما يهديه المؤمن لأخيه الإنسان، مؤمنًا كان أو غير مؤمن؛ إذ الإسلام سلام، وهي أهون الصدقة؛ بل لعلها أفضلها في زمننا العابس القمطرير!

ولا مراء أن إسلام بلاد المغرب الأمازيغي العربي إسلام عربى لا أعرابي، زاده التّصوف بهاء ورونقا. لهذا، يبقى الدّين المتصوّف المغاربي أولاً وقبل كل شيء قِبلة (بكسر الباء) كل من سعى حقًا إلى تزكية نفسه والعودة بكلّ ذاته إلى الحقّ، وذلك بتسليم نفسه إلى الله، إذ هي حرّة أبية لا تركع لأحد إلا لخالقها. فلا مرجعية كنيسية في الإسلام الصّحيح ولا ولاية لفقيه فيه، بل العلاقة مباشرة بين العبد وخالقه؛ والعبد يحبّ ولا يكره، إذ الله كله محبّة، لا يظلم كما يظلم البشر أنفسهم وغيرهم، فدينه لهو القُبلة (بضم الباء) على خد المؤمنين.

إن الله أيضًا حكيم، لا تغرّه مظاهر التّقوى الخادعة من أهل التّزمت، هؤلاء الذين يمدون يدهم للإضرار بغيرهم عوض الابتسام لهم وطبع القبل على خدهم وضمّهم وعناقهم. هؤلاء ليسوا مسلمين، إذ دينهم متجرّد حتى من العبادات الحقة التي هي بداية سكينة روحية تستقر بالنّفس؛ ولا غرو أن تلك التي تحبّ ولا تعرف الكراهة لهي في أفضل سكينة! فما كان الإسلام يومًا مجرّد تعاليم طاغوتية أُفرغت من معاني الحبّ والتّسامح فغدت مجرد حركات وصفات ليس هدفها إلا المراءات والنفاق والمغالطة والإفساد في الأرض بظلم العباد.

القبلة هي مدخل أحاسيس المحبّة
القبلة هي مدخل أحاسيس المحبّة

إن يومًا كهذا في دعوته للبوس والعناق ليُعلي الإسلام أي إعلاء، مذكّرا أنه سلامُ روح ونيّة ونقاوة ضمير ويد من كلّ ما من شأنه الإضرار، لا بالدّين فقط، بل بالمؤمن وبأخيه أيا كان، بما أن المسلم يقدّر الأخوة البشرية حق قدرها؛ فكيف لا يكون الحبّ دينه والعناق عقيدته؟ إن الإسلام معاملات قبل أن يكون عبادات؛ وهو ثقافة قبل أن يكون شعائر؛ ولعل أهم ما يحضّ عليه المؤمن لهو نقاوة النّية وصفاء السّريرة؛ فأي دليل أفضل على ذلك من قبلة أخوية على جبين الأخ والأخت في الإنسانية؟ أليست هي التّقوى الصّحيحة التي من شأنها رفع البعض والحطّ من البعض عند الله؟ فماذا حرّم الله غير شحّ الأنفس من المشاعر ونضوبها من الأحاسيس والعزوف عن تنميتهما؟ لنجعل إذن من هذا اليوم بحقّ يومًا وطنيا يعود بنا إلى الإسلام الصّحيح كثقافة حبّ وسلام! فشبابنا اليوم يقبل ويعانق علانية بكلّ فخر واعتزاز بروحانياته السّليمة المسالمة، لأنه مسلم حرّ، عقيدته في نفسه أولاً. فهذا هو الإسلام الحقيقي الثوري، إسلام الحبّ والتسامح، إسلام العلم العالمي، خاتم الرّسالة النّبوية، إذ هو رسالة حب الله للبشرية وحب البشرية لبعضها.

إن القِبلة الإسلامية في الجزائر هذا اليوم هي قُبلة الحبّ التي يطبعها كل ابن بار لمغربنا، بعُربه وبربره، أرض التّسامح الصوفية، على خدّ الشعب كلّه، بل وعلى خدّ كل البشر، بما أن الإسلام ما بعد الحداثي هو دين البشرية جمعاء، يحبّ فيه المُسلم ولا يكره، يسامح ويتسامح ولا يفسد في الأرض بالحبّ الذي فيه الحياة والإحياء.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الصّحافة المستقلّة.. تحت الضّغط!

مع الذّكرى السّابعة لميلاد صحيفة “الخبر الرّياضي”، عاد السؤال: من يخاف من الصّحافة المستقّلة في …

اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية.. كيف لا يحتفل الإسلام به وهو دين العدل؟

اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية.. كيف لا يحتفل الإسلام به وهو دين العدل؟

يحتفل العالم أجمع في السّابع عشر من ماي، من كلّ سنة، باليوم العالمي لمناهضة رهاب …