الخميس، 17 أكتوبر 2019

نوّاب الشّعب في «مهرجان الوقاحة»

سعيد خطيبي

المجلس الشّعبي الوطني يقوم بكلّ الوظائف، عدا وظيفته الأساسيّة: تمثيل الشّعب. لقد وقع نوّاب الشّعب أخيرًا في فخّ نصبوه لأنفسهم، فبعدما تنازلوا عن «شرعيّتهم» في مناسبات فارطة، سحبت السّلطة «الشّرعية» المتبقية لهم من تحت أقدامهم، ومرّ قانون المالية 2016 رغم أنف المعترضين عليه.

هل ما يزال نائب في البرلمان الحالي يعتبر نفسه ممثلاً للشّعب؟ هو ممثل لنفسه فقط، لأنّ الجزء الأعظم من الشّعب لم يعد يحتمل الوقاحة التي صار يتصرف بها نوّاب المجلس نفسه، والسّطحية التي تميّز قراراتهم وخرجاتهم أيضا.

في مشهد هزلي، بعد التّصويت على قانون المالية الجديد، سارع بعض النوّاب إلى تبرئة ذمّتهم من القانون، ليعلنوا مرّة أخرى عن وقاحة غير مسبوقة، كما لو أنّهم بفعلتهم «الافتراضية» تلك سيكسبون «عذرية سياسية» أخرى، متناسين، في الوقت نفسه، زلاتهم السّابقة، كالمصادقة على قانون الكتاب الأخير، بكلّ ما يحمله من تبعات تسيء للأدب وللفكر ولأرواح الآباء المؤسسين، ومتغاضين عن الحقيقة الأهم كون عهدتهم في قبّة البرلمان ستنتهي بعد أشهر معدودة، ليخرجوا من مبنى زيغود يوسف كما دخلوا إليه، لأوّل مرّة، «مجاهيل» في دوّامة حيّاة سياسية يسود فيها المجهول على المعلوم.

فكرة البرلمان، التي ظهرت في القرون الوسطى، قبل أن تتطوّر وتتمدّد، تفقد صدقيتها في جزائر 2015، فقد صار المجلس الشّعبي الوطني محلاً للتنكيت وللسّخرية بين الجزائريين، في مواقع التّواصل الاجتماعي وفي المقاهي. كيف يردّ نائب في برلمان وهو يرى صورته تتحوّل إلى كاريكاتير ونكتة؟ هل سيضحك أم يرثي حاله؟

حين نتذكّر أسماء من مرّوا بالبرلمان، مثل فرحات عبّاس ورابح بيطاط، ونتذكّر مثقفين مرّوا على كراسيه، ونتذكّر لحظات فارقة من تاريخه، كيوم وقوف الشّاعر محمود درويش فيه، وإنشاده «مديح الظّل العالي»، نشعر بكآبة.

قبل عام ونصف العام، قدّم الحقوقي مصطفى بوشاشي درسًا، لم ينتبه إليه الكثيرون. لقد استقال من المجلس الشّعبي الوطني، بمحض إرادته، والسّبب: رفض البرلمان الردّ على مطالب التّقويم التي تقدّم بها. وكتب في رسالة له: «حتى لا أفقد احترامي لنفسي واحترام الجزائريين الذين وضعوا ثقتهم فيّ وانتخبوني لتمثيلهم فيه أعلن استقالتي وانسحابي من المجلس الشّعبي الوطني، مع اعتذاري للجزائريين الذين وضعوا ثقتهم فيّ».

سرعان ما تمّ التّعتيم على «درس مصطفى بوشاشي»، ليواصل البرلمان دوره في السّير وفق خطّ السّلطة الرّسمية، من دون مناقشة حقيقية لقوانينها، وإن حصلت مناقشة فإنها لن تخرج عن سياق التنكيت لا أكثر، مثل الحديث عن «حكايات قطط سبسيفيك وأكل الكلاب» للتمويه وتحويل الأنظار عن الموضوعات الحرجة.

المجلس الشّعبي الوطني، الذي تأسّس عقب الاستقلال (سبتمبر 1962)، دخل الآن نفقا مخجلاً، فبرلماني لا يستطيع أن يتخذّ موقفًا حقيقيا إزاء السّلطة هو برلماني «خبزيست» ببساطة، ليس يعنيه النّضال الأساسي الذي أورَثنا إيّاه رجال نوفمبر بقدر ما يعنيه الحفاظ عن المكاسب الشّخصية، وهذه وقاحة أخرى، يصعب على برلمانيي 2015 أن ينفوها على أنفسهم.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …