الإثنين، 21 سبتمبر 2020

لميس سعيدي.. الشِّعر لترميم المشاهد التّالفة

لميس سعيدي في توقيع ديوانها الثّاني

نعود إلى تتبع خيط قصيدة النّثر القصير في الجزائر، بعد ديوان خالد بن صالح، نقارب اليوم الدّيوان الثّاني للشّاعرة لميس سعيدي: «إلى السّينما»(الغاوون، 2010، ضفاف/الاختلاف، 2015).

«إلى السّينما»؟ أوّل انطباع نكوّنه لدى قراءة العُنوان هو أن قصائد الدّيوان إهداءٌ للـ«سينما». ربما يكون الانطباع صحيحاً، وربما خاطئًا، خاصة عندما نقرأ في أول صفحة (المكان المُتفق على كونه مُخصّصاً للإهداءات الكاتب الخاصة) وقبل كلّ العناوين، نقرأ أسئلة عديدة: أين يذهب النّائمون؟ أين يذهب الحالمون؟ أين يذهب النّادمون؟ التّائبون، التّعساء، الواهمون، المذنبون… أسئلة يصادفها جواب وحيد: إلى السّينما! هنا يطفو احتمال جديد، الدّيوان دعوة لدخول السّينما، ووسط فئات البشر المذكورة سلفا، سيتعرّف القارئ على نفسه وينساق هو أيضا وسط الجموع إلى السّينما. من هذا الالتباس في قراءة العنوان، إهداءٌ أم دعوةٌ كُتبت مكان الإهداء؟ يبدأ ديوان(هو الدّيوان الثّاني للميس سعيدي، بعد باكورتها: نسيت حقيبتي ككلّ مرّة، 2007).

عناوين قصائد الدّيوان نفسه كلّها مأخوذة من «الحقل اللّغوي» لكلمة سينما، حتى وإن كان ترتيبها لا يخضع للعملية الزّمنية لصناعة الفيلم (ألوان، بلاتوه، مكياج، موسيقى تصويرية، كادر، أكشن، مونتاج…)، ووفق هذه الصّياغة نقرأ نصوصاً أُقسّمها إلى ثلاثة أنواع (مع الإشارة إلى أنّ هذا الدّيوان لا يخضع إلى تبويبٍ صارم، لفتة ذكية من الشّاعرة حيث أنّها تترك كل أبواب التّأويل مفتوحة أمام القارئ)، أولاً، قصائدٌ تُكثّف المشاهد/الكلمات ضمن لُعبةٍ لغوية قد تُعيد تعريف الأسماء والكلمات، أو فقط تنساق خلف الكلمات لتُكثّف اللقطة، مُصوّرة إيّاها من كلّ الزّوايا، وهو ما يصِل إلى ذروته مع قصيدة «لقطة نقيّة جداً»: «ترتعش دائماً/ ترتعش في كل مرّة/ ترتعش كما في المرّة الأولى/ ويعرف أنها ترتعش…»، لكنّه أيضاً يفشل مع قصائد أخرى.

ثانياً، قصائدٌ قد أسميها «قصائدٌ الترميم» (رومانس، مشهد الأفلام الرّديئة، فلاش باك) هي قصائدٌ مرّقمة كأنها مشاهدٌ يُعاد تصويرها، نسمع صوت الكلاكيت مع كلّ رقم، وقد تُقرأ أيضاً هذه المشاهد/المقاطع كتنويعاتٍ لمقطعٍ/مشهدٍ واحد، لا ينفكّ يتغيّر حتى ينقلب إلى ضدّه أو إلى مقامٍ آخر، وهو ما يتّضح جلياً في «مشهد الأفلام الرّديئة». مع هذه القصائد نشعر بأعمال ترميمٍ للمشاهد، إعادتها مرّات ومرّات لكن دون أن يخلو الأمر من خيانةٍ، وبين فعلي الإعادة والخيانة، يكمُن التّرميم، جاعلاً من المقاطع/المشاهد توائماً من دون شبهٍ يُذكر.

ثالثاً، وهي العناوين التّالية: ديكور، موسيقى تصويرية، زووم، إضاءة، كادر. صحيحٌ أنّ القصائد قد لا تقول لنا الكثير عن عناوينها، لكن بقراءة الديوان والانتباه إلى عبارة «ديكور»، التي يُعاد توزيع نصّ القصيدة التي تحمل العنوان نفسه (ديكور) على مقدمات «قصائد الترميم» إلى جانب عبارة «موسيقى تصويرية»، هكذا كأنّها تُؤثث المشهد وتصنع له إضاءة وموسيقى. أو تنوّع «الكادرات» في اللّقطات المُكثفة، مع زووم على بعض المناطق كأرنبة الأنف وأصابع الأقدام والجبهة…

غلاف الدّيوان

هنالك مونتاج داخل الدّيوان، صورٌ شعرية كثيرة ومشاهد حاولت لميس سعيدي (1981) أن تُرتّبها وتعيد تقديمها، وفّقت في بعضها وأخفقت في بعضها الآخر، خاصة حين تُفرط في لعبة إعادة تعريف الأشياء، فنجد أنفسنا أمام كُتلِ كلامٍ صغيرة، تُشبِه الطلاسم، لا تفلح في أن تجعلنا نفهم الشّيء ولا في أن تدفعنا لفهم ضدّه: «طويل كتفاحة/ أسمر كجريدة/ نحيف كمرآة…».

هذا الحقل اللّغوي لكلمة «سينما» نعرفه نحن القرّاء/المشاهدون من الجينيريك، هذه الكلمات التي نقرأها في الجينيريك آخر الفيلم، لما «تطلع الكتابة»، وبالفعل فآخر قصيدة عنوانها «جينيريك»، تأتي لِتٌنقذ فكرة اللّعب بالكلمات، لُعبة يُطلب فيها من الشّاعرة أن تُعيد تعريف هذه الكلمات (وهي كلمات مِحورية داخل اللّغة: الإنسان، الولادة، السّعادة، الموت، الحبّ، الانتحار، الحياة، إلخ. لكنّها في الوقت نفسه قد لا تعني شيئاَ، فهي الكلمات الصّغيرة للمعاني الكبيرة، بالاستعانة بكلمة:«أشرطة»، فالإنسان مُضيّع الأشرطة… السّعادة أشرطة مُنتقاة… الانتحار هو التخلّي عن جميع الأشرطة… وهكذا. وهنا يكتمل جمال الدّيوان، ضربة النّهاية جاءت «مُفاجئة» وموفّقة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …