الأحد، 16 يونيو 2019

مليون ونصف مليون ساندويتش

د.عمار كساب

انطلق صالون الجزائر الدّولي للكتاب، في دورته العشرين(29 أكتوبر-7 نوفمبر)، وانتهى، من دون أن تعرض محافظة التّظاهرة نفسها أي تقرير مفصّل عن نتائج الدّورات السّابقة، ولا إحصائيات دقيقة عن عدد الكُتب التي بيعت ونوعها والمجالات التي تُعنى بها، ولم تُقدّم لمحة عن ميزات زوّار الصّالون: متوسط أعمارهم، مستواهم دراسي ونطاق عيشهم جغرافي، إلخ. كما هو معمول به في التّقارير الخاصّة بالتّظاهرات ذات الطّابع الدّولي.

وككلّ مرّة، أطلّ محافظ التّظاهرة، بعد الاختتام، للتّصفيق لنفسه وللحديث عن نجاح «باهر» للصّالون، قبل أن يُقدّم رقمًا لزوّار الحدث، ثم يختفي!

قرابة «مليون ونصف مليون زائر»، هو الرّقم «المُقدّس» الذي حقّقه الصّالون في دورته لهذا العام، أيّ أن واحدًا من كلّ 26 جزائريا زار الصّالون الدّولي للكتاب!

معلوم أن معرض فرانكفورت الدّولي للكتاب يعدّ أكبر معرض كتاب في العالم على الإطلاق، يتربّع على مساحة قدرها 173 ألف متر مربع ويستقبل 7000 ناشر من كل أنحاء المعمورة. وزار هذا المعرض، الذي تأسّس في القرن السّادس عشر ميلادي، ثلاثمائة ألف (300.000) زائر في دورة 2015. وبذلك يكون صالون الجزائر الدّولي للكتاب قد استقطب خمس مرات عدد زوّار أكبر معرض في العالم! وحين نعرف أن عدد زوار معرض باريس الدّولي للكتاب لم يتجاوز رقم (180.000) زائر هذا العام، نفهم أن تصريحات محافظة صالون الجزئر لا تعدو أن تكون «استغباءًا» للجزائريين ومحاولة جديدة للاستهزاء بعقولهم.

وللتّذكير، فإن «سياسة» تضخيم الأرقام تندرج ضمن توجّهات «بروباغندا» معروفة تسعى إليها أنظمة رجعية مُستبدّة خدمة لمصالحها. وقد استخدم النّظام الجزائري تقنية تضخيم الأرقام هذه منذ الاستقلال، وذلك لكسب شرعية تنقصه.

كلّ جزائري مسؤول إزاء تاريخ بلده مقتنع أن عدد ضحايا المأساة الوطنية خلال العشرية السّوداء ليس هو الرّقم ذاته المتداول بشكل واسع، رقم روّج له البعض لإرهاب الجزائريين. ويعرف كذلك كلّ جزائري حرّ يحبّ وطنه أن اللعب بالأرقام وتضخميها مسّ أجزاءًا من التّاريخ الحديث للبلد.

إن البحث والتّنقب عن الأرقام الحقيقية لضحايا مأساة وطنية ليس يعني التّقليل من الجرائم البشعة، اللاإنسانية، التي اقترفتها جماعات إرهابية إسلاموية، بل بالعكس، هو رغبة منّا في وضع وجه على كل ضحية ورفض إغراقها في مجرد رقم لا يعترف بخصوصية الضّحية ولا بطابعها الفردي.

إن الرّقم المُقارب ﻟ«مليون ونصف مليون» زائر للصّالون الدّولي للكتاب(2015) هو أشبه بنكتة سمجة عوّدنا عليها النّظام، يجب أن نرفضها بكل قوة حتى لا نتحوّل إلى «أنعام» تستهلك كل ما يُعطى لها بدون تفكير.

الرّقم «الخيالي» الذي أعلنت عنه محافظة الصّالون الدولي للكتاب ربما يُقصد منه عدد الساندويتشات التي استهلكها الزوّار خلال مدّة المعرض(10 أيام)، وذلك بشهادة كثيرين ممن زاروا التّظاهرة ذاتها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …