الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

كرونولوجيا السينما الجزائرية: ولادة ثانية

سلمى قويدر

من فيلم عمر قاتلاتو

ظهر في السبعينيات أسلوب جديد في التّمثيل والإخراج، وبدا ذلك جليا من خلال أفلام مثل «تحيا يا ديدو»(1971) لمحمد زينات، وصوّر مرزاق علواش موجة الشباب الجديدة ومشاكلها من خلال «عمر قاتلاتو»(1977) و«مغامرات بطل«(1978).
ابتعد الإنتاج السينمائي الجزائري، في السبعينيات عن الشراكة الأوروبية باهظة التّكلفة، واتخذ نسبيا، منحا عربيا، حيث ساهم في إنتاج ثلاثة أفلام للمخرج المصري يوسف شاهين وهي: عودة الابن الضّال، العصفور واسكندرية ليه.
أثمر التّعاون الذي نشأ بين راديو وتلفزيون الجزائر والمكتب الجزائري لصناعة السينما عن توزيع وعرض أفلام ذات مستوى جيّد، من بينها فيلم من إخراج الكاتبة آسيا جبار بعنوان «نوبة نساء جبل شنوة»(1978)، إضافة إلى أفلام أخرى مثل «ليلى وأخواتها» لسيد علي مازيف، والذي يحكي كفاح المرأة ضد التّقاليد الرّاسخة في المجتمع.
أما فيلم «عطلة المفتش الطاهر»(1972) لموسى حداد، فهو رائعة كوميدية، أبدع الممثل الراحل حاج عبد الرحمن(1941-1981) في تجسيد دور البطولة، بمشاركة يحيى بن مبروك(1928-2004). حاج عبد الرحمن الذي اشتهر بلكنته الجيجلية الجميلة والطريفة نظرا لأصوله من الطاهير بجيجل، ساهم في التعريف بها من خلال هذا الفيلم، يعتبر كوميديا محنكا، وشكّل ثنائيا مميّزًا مع الفنان يحيى بن مبروك.
في الثمانينيات، عرفت السينما الجزائرية شيئا من الحداثة وتواصل إنتاج المخرجين لأفلامهم بشكل دوري، فقدّم مرزاق علواش «رجل و نوافذ» و «حب في باريس» وأخرج حامينة فيلم «ريح الرمل» و«الصورة الأخيرة»، كما نذكر «أبواب الصّمت» لعمار العسكري.

حاج عبد الرحمن على يمين الصّورة

جاء المخرج المغترب علي غانم ليقدّم رؤية سينمائية للرواية التي كتبها تحت عنوان «امرأة لابني»، هذا الفيلم يُعالج قضية المرأة وهواجسها من جديد. بالاضافة إلى فيلم «سقف وعائلة»، من إخراج رابح لعراجي، والذي واجه قضية مهمة في المجتمع الجزائري، وعرى المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها الأسر الجزائرية بكتابة للسيناريست رشيد بن علال.
أما فيلم «امرأتان» الذي أبدع فيه الفنان عثمان عريوات، فهو قصّة اجتماعية تتأرجح بين الهزل و الدراما في قضية تعدّد الزوجات و أثرها على نفسية الزوجة والأبناء، عثمان الذي لم يتوقف إبداعه عند هذا الحدّ، رفقة الفنانة بهية راشدي، بل استمر في العطاء مع فيلم «ملحمة الشّيخ بوعمامة» الذي صوّر فيه شخصية المناضل الفذ الشيخ بوعمامة، وراح يبدع مرة أخرى رفقة الراحلة وردية في فيلم «التاكسي المخفي» الذي أخرجه الراحل بن عمر بختي، وأعطى رؤية كوميدية من نوع جديد للسينما الجزائرية، من خلال ساعة و نصف من الهزل والخيال الذي يتلاعب بشخصيات الفيلم في متاهة غريبة، وتحليل نفسي لكل واحدة من شخصيات الفيلم أثناء الرحلة.
كما لا ننسى الفيلم التلفزيوني الشهير «كرنفال في دشرة» الذي أبرز قضية حمى المناصب السياسية بطريقة ساخرة لعبت على وتر المتفرج الجزائري و مشاعره، فعلقت في ذاكرته.
سينما العشرية السوداء
كان الألم كبيرًا، وكان على القلم والصورة والسينما أن يكونوا صادقين كفاية ليترجموا حجم الإرهاب والفقد، والكارثة الإنسانية التي حلّت بالجزائر في تسعينيات القرن الماضي، كانت عشر سنوات دموية لا تستطيع الذاكرة استرجاعها بدون كمّ من الفجيعة والفزع المزمن و الدعاء.
السينمائيون الذين عايشوا فترة الخراب تلك، كانوا واعين فعلا بحجم الشرخ الذي أصاب المجتمع، فأبدع مرزاق علواش في أفلام «العالم الآخر»، «باب الواد سيتي» ثم «التّائب» لاحقًا.

من فيلم باب الواد سيتي

فيلم «رشيدة»، روى بكل ألم مجزرة حقيقية في حقّ الإنسان والمرأة، في منطقة محافظة، وعالج معاناة تلك الفتاة المعلمة التي كان حجم أحلامها أكبر من عقل التّطرف الذي مدّ يديه طويلا وطوق ذلك الحيّ، ونشر شبح الموت فيه بكل بغض.
تعاقبت الأفلام المحاكية لتلك الفترة، فظهرت أفلام «يما»، و أفلام نذير مخناش التي تحدت الفترة وحاكت ما جرى بصراحة وواقعية تامة، من خلال «ففيا لالجيري» و«ديليس بالوما»، إضافة إلى أعمال أخرى: «دوار النسا»، «حورية»، و«ما وراء المرآة» لنادية لعبيدي.
كل هذه الأفلام أعادت تصوير تلك الفترة الموغلة في الوجع، وعرضتها لعلها تكون درسا لأجيال لم تعايش تلك الفترة، وحالفها الحظّ في عدم التواجد في قلب الألم.
الإعلام السينمائي
الكاتب والناقد أحمد بجاوي، الذي يعد موسوعة سينمائية تفخر بها الجزائر، صرح للصحافة خلال هذا العام، احتفاء بمرور خمسين سنة على إنشاء سينيماتيك الجزائر، أنه بصدد دعم لمشروع جمع ورقمنة التراث السينمائي الجزائري بكل أفلامه لصالح المتحف السينمائي في محاولة جادة لإحياء دوره في الحفاظ على ثروة الجزائر السينمائية، أصدر بجاوي كتابا بعنوان «السينما وحرب التحرير» يروي فيه دور الصورة في الكفاح بعد مؤتمر الصومام، مساهمة منه في تأريخ السينما الجزائرية ودعمها.


أما عن الإصدارات السينمائية، فنرجع بالذاكرة نحو مجلة خدمت هذا المجال كثيرا، و هي مجلة «الشاشتان»، التي أسسها مدير الإذاعة والتّلفزيون السابق، الراحل عبدو بن زيان، هذا الرجل كان من أبرز النّقاد الذين اختصوا في السينما والتلفزيون، وذاع صيته حينما استلم زمام التلفزيون، وأحدث ثورة فيه، حين مدد البث، وحسن من جودة البرامج.
مجلة الشاشتان كانت تجربة رائدة في الصحافة المتخصصة، حيث أغنت الساحة الثقافية بالملفات السينمائية المتخمة، وخدمت الحقل السينمائي إعلاميا، دون أن ننسى الحصة الإذاعية «سيني راما» لجمال الدين حازورلي، هذه الحصة الثقافية القيمة دعمت لسنوات، الابداع السينمائي الجزائري والعربي و حتى العالمي، من خلال ملفاتها وضيوفها ذوي القيمة العالية في سجل الثروة السينمائية العالمية.
طموحات السينما في الجزائر
رغم التراجع الرهيب الذي شهدته السينما في الجزائر مؤخرا، لازالت تشهد ولادات جديدة في مجالي الإخراج والتّمثيل، ورغم شحّ التمويل والإنتاج، تظهر بين الفينة والأخرى أفلام مهمة كبصيص أمل لمستقبل صناعة السينما، فنجد مثلا فيلم «مسخرة» للمخرج إلياس سالم، الحاصل على عدة جوائز في مهرجانات مختلفة، كجائزة روتردام، و اختير أحسن فيلم في مهرجان قرطاج السينمائي، فيلم «حراقة» لمرزاق علواش، فيلم «الخارجون عن القانون»، وأخيرا فيلم «الوهراني» لإلياس سالم أيضا، الذي أثار ضجة عارمة في الوسط الجزائري المحلي والمغترب، يحكي قصة صديقين حاربا معا إبان ثورة التحرير، وفرقتهما المصالح بعد الاستقلال.. هي كلها أفلام حققت نجاحا منقطع النظير في المهرجانات الدولية الرفيعة، وكلها أنتجت بدعم من الجزائر.

إلياس سالم

يذكر أن وزير الثقافة، كان قد تحدث عن عزم الوزارة، إعادة دور السينما المغلقة إلى الحياة من جديد في شتى ربوع الوطن، من خلال مشروع استثمار ثقافي، يتمثل في استرجاع هذه الدور من البلديات، وتكفل وزارة الثقافة بها، وصرح أن الثقافة هي صناعة السينما وصناعة الكتاب، وبناء المسارح و دور السينما..
دعمت وزارة الثقافة مؤخرا، برنامجا واعدا يدعى سينما المدينة، وهو يعتني بعروض للعائلات الجزائرية طيلة الفترة الصيفية في الفضاءات الخارجية والشواطئ، وهذا لتقريب الفرد الجزائري من إنتاج بلده السينمائي، والتصالح معه، ودعما لعروض الأفلام والترفيه. وينتظر أن يعمم المشروع على كل المناطق النائية.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بيت الشعر الجزائري: ما يُقال وما لا يُقال

رشيد عبد الرحمان جاء بيت الشعر الجزائري بعد موات حقيقي تعرفه الساحة الثقافية في الجزائر؛ …

لماذا الإسلام في قفص الاتّهام؟

1 لا يُمكننا أن نُنكر دور الدّين كفاعل أساس في توجيه بوصلة أفكارنا، ولعلَّ حضوره …