الأحد، 16 يونيو 2019

شريف الشوباشي في انقلاب فاشل على سيبويه

 

رشيد فيلالي

قرأت في اليومين الأخيرين كتاب «لتحيا اللغة العربية.. يسقط سيبويه»(الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2004) لمؤلفه شريف الشوباشي.

طبعا من خلال العنوان المثير نتصوّر، لأول وهلة، بأن الأستاذ الشوباشي من دعاة إصلاح النّحو، ممن اضطلعوا بمهمة نبيلة في جوهرها وتستحق الدّعم والمساندة، ما لم تحد عن الهدف الجوهري لهذه المهمة وهو الدّفاع عن اللغة العربية قصد نفض غبار السّنين عنها وما علق بها من شواذ وخزعبلات لسانية أثقلت كاهلها وكادت تدخل هذه اللغة الشّريفة إلى متحف التاريخ.

ولكن.. بعدما فرغت من كتاب الأستاذ الشوباشي صعقت لحجم المغالطات التي تضمّنها ومدى انحراف كاتبه عن التّجرد العلمي والأمانة الخلقية في كتابه، والأدلة عن هذا الحكم لا حصر لها، حيث ذهب الكاتب لاجترار ما سبقه من الباحثين والكتّاب في مختلف الأقطار العربية، الذين خاضوا في هذا المجال الشّائك وفيهم من كان مجددًا أصيلا غير أن هناك الكثير ممن وقع ضحية للوهم أو سحر إيديولوجي أو حتى الجهل والمكابرة، حيث أثبتت الدّراسات والكشوف والمقارنات اللسانية، فيما بعد، مدى تخبّط دعاة إصلاح النّحو(المزيفين) من الذين دخلوا مداخل مشبوهة، فثبت بأن أطروحاتهم مجرد فرقعات تافهة وباهتة وغير مؤسسة علميا.

ومن هنا جاء طرح شريف الشوباشي الذي كرّر آراء من سبقوه من هؤلاء ولم يحد في ذلك قيد شعرة، فيما زعم بأنه يدافع عن اللغة العربية ويريد لها كلّ الخير!! ومن أطروحات الشوباشي في كتابه أن اللهجة العامية هي لغة الحياة واللغة العربية لغة الكتب والرّسميات وهي بالتالي لغة أقرب إلى الموت والانقراض على غرار ما حدث للغة اللاتينية، وذكر الشوباشي أن من عيوب العربية الاحتفاظ بالمثنى وغياب فهم من يقرأ النصّ العربي إلا إذا كان مشكولا، وأن العربي يتحدّث لغتين هي العامية والعربية الفصحى، وأن اللغات العظمى سهلة جدًا وتكتب كما يتحدّث بها ناطقوها، وخاصة اللغة الفرنسية التي يجيدها – كما لا يخفى –كونه متحصلا على شهادة في اللغة والأدب الفرنسيين، كما أنه كان من مقدّمي الأخبار بهذه اللغة في التلفزيون المصري و.. إلى آخر ما ورد في كتاب الشوباشي من أفكار عجيبة غريبة محيّرة، قد يصدقها من لا يملك مستوى كافيا من الإطلاع على الدّرس اللساني الحديث ولاسيما أن الكاتب عمل في منظّمة محترمة هي منظمة اليونسكو، بمعنى أنه صاحب مستوى ثقافي محترم، وعليه فإن أطروحاته قد تجذب الكثيرين وتؤثر في طريقة تفكيرهم ومواقفهم حيّال اللغة العربية.

غلاف كتاب الشوباشي

والحقيقة أنني هنا لست في معرض الطّعن في سلامة نيّة الأستاذ الشوباشي بقدر ما أنا مندهش جدًا من مواقفه اللغوية، فهو متمكن من اللغة الفرنسية ومع ذلك يجهل أبسط الحقائق حول لغة فولتير أو أنه يريد تمرير أفكار غير صحيحة من باب المكابرة وهذا في اعتقادي مستبعد، لكن ما هو تفسير أطروحاته الخاطئة من الأساس؟؟

إذا كان الأستاذ الشوباشي يرى بأن اللغة الفرنسية لغة سهلة وأن كل الفرنسيين يجيدونها نطقا وكتابة فهو واهم، وأدعوه لكي يقرأ ما تنشره الأكاديمية الفرنسية حول تعقيدات الكتابة الفرنسية المليئة بالشذوذ والغرابة، ولن أحدّثه عما ينشره كبار الأدباء واللسانيين الفرنسيين حول هذا الموضوع حتى أن الشّاعر الشهير بول فاليري كان يقول بأن الكتابة الفرنسية هي الأكثر سوءًا من بين كل اللغات العالمية، كما أن هناك كتبا بأكملها صدرت حول الأخطاء الإملائية واللغوية التي ارتكبها مشاهير الأدباء الفرنسيين، وحاليًا يعتبر التلاميذ الفرنسيون الأدنى كفاءة من حيث التّمكن في أدوات الكتابة مقارنة مع الإيطاليين مثلا وذلك لصعوبة كتابة الفرنسية.

وبالنسبة للهجة واللغة الفرنسيتين فإنا المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي(CNRS) أصدر حتى وقت قريب 25 أطلسا خاصا باللهجات الفرنسية حسب مناطق هذا البلد الأوروبي، ولو قلت لأي فرنكوفوني غير متخصّص ما معنى الكلمات التالية لما فهمك أحد وهي: canchon, cabro, Marti.. وهذا لسبب منطقي، إذ رغم كون هذه الكلمات فرنسية إلا أنها لهجات وليست من الفرنسية الفصحى، حيث أن الكلمة الأولى تعود إلى لهجة بيكاردي(أنتجت نصوصا أدبية راقية في القرنيين 13 و14 وكانت تسمى لغة الدبلوماسية والإدارة آنذاك) والثانية لهجة البروفنسالية والثالثة هي لهجة كاتلانية، ولنأخذ كلمة فرنسية ونرى كيف تنطق بمختلف اللهجات الفرنسية، مثلا كلمة «عنزة، chèvre » تنطق كما يلي حسب اللهجات: chieuve, tchabra, tsabra, siebre thevra.. وتجدر الإشارة إلى أن اللهجات الفرنسية يسميها المتحدّثون بها فرنسية مشوّهة أو حسب التعابير التالية: français déformé, français écorché, français abrégé, français écrasé.. والطّريف في الموضوع أن الأدباء الفرنسيين الذين تحصّلوا على نوبل في الأدب كانوا يستعملون ويكتبون بلهجات فرنسية على غرار برودوم الذي كان يكتب بالبروفانسالية وفريدريك ميسترال(Mistral) الذي حصل على نوبل عام 1904 وكان يكتب بلهجة الأوكسيتان وكان هذا الأديب الكبير يبحث رفقة ستة آخرين من الشّعراء على طريقة مبتكرة لتدوين أدبه بلهجته التي يكتب بها، لكنه لم يوفق في ذلك ربما بالنّظر إلى النفوذ الطاغي للغة الفرنسية..

شريف الشوباشي

طبعا من خلال ما تقدّم نعرف بأن ما زعمه الأستاذ الشوباشي في كتابه ليس صحيحا على الإطلاق، وهو في مجمله تشويه كبير للحقائق، كما أن المعروف علميا وواقعيا أن كلّ لغة لها خصائصها وعبقريتها، ولا توجد لغة أفضل من لغة إلا بما ابتكرته وأبدعته، وما دون ذلك فهو مجرد هراء لا أساس علمي له، أما مسألة صعوبة اللغة العربية وقواعدها فهي في تصوّري مسألة نسبية وفيها ما يُقال ويناقش، والعربية ليست استثناء في هذا المجال، ومن لديه إلمام بسيط باللغات العالمية سيحتار لصعوبة الكثير من اللغات على غرار اليابانية والفنلندية والباسكية والروسية والفيتنامية والتايلاندية والألمانية وغيرها من لغات العالم، فلماذا ننسب للعربية فقط هذا العيب ونعمل على تقزيمها بكل السّبل؟ اللهم إلا إذا كان ذلك من باب التّحامل والحقد المجاني أو المكابرة والجهل وتلك قضية أخرى.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …