الخميس، 18 يوليو 2019

جزائريو الفايسبوك.. «بلوك» لمن خالفني في الرّأي!

محمد علاوة حاجي

إذا انفجرت قنبلة في باريس أو مدغشقر، أو قامت ثورة في سوريا أو زيمبابوي، أو خُلع رئيس في ليتوانيا أو إستونيا، أو وُلدت قطّة أو حلّوفة في كوبا أو التيبت؛ فالنّتيجة واحدة: يتبادل جزائريو الفايسبوك الشّتائم و«البلوك».

ردود الفعل المتشنّجة والعنيفة، والتي لا تخلو في كثير من الأحيان من مبالغاتٍ، ليست سلوكاً جديداً على سكّان هذه القارة العجيبة. لكنّها تتجذّر يوماً بعد يوم.

مع بداية الأحداث في سوريا(2011)، دارت معارك افتراضية وانقسم جزائريو الفايسبوك إلى فريقين، يكيل الواحد منهما للآخر سباباً واتّهامات. حدث الأمر ذاته إزاء الوضع في ليبيا وتكرّر مع مصر.

لو تطوّع السيد مارك زوكربيرغ ومدّنا بإحصاءاتٍ عن استخدام «البلوك» في الجزائر، لتأكّدنا – ربما – أن أكثر فترةٍ حظَر فيها الجزائريون بعضهم بعضاً كانت أيّام عزل الرّئيس المصري السّابق محمد مرسي(2013).

ولأن الأمور تذهب دائماً إلى حدودها القصوى، فقد تبرّع بعضهم بإصدار «قائمة سوداء» ضمّت أسماء كُتّاب وصحافيين «مؤيّدين للانقلاب». تصرّفٌ لم يحدث في مصر نفسها.

لعلّ تعبير الزميل السّعدي نصر الدين «مناضلون بلا عنوان» يُعبّر بشكلٍ دقيق عن حالة الانفصام هذه: هوس بكلّ ما يحدث في جهات العالم، في مقابل لا مبالاةٍ تجاه قضايانا الأساسية.

ثمّة فائض من التّعليقات والشّتائم والمعارك والاتّهامات بسبب مسائل وقضايا لا تعنينا كثيراً، أو قُل لا تعنينا نحن بالدّرجة الأولى. المعلّقون على القضايا الإقليمية والدّولية أكثر بكثير ممّن أدلوا بآرائهم حول العهدة الرابعة والغاز الصّخري وأحداث غرداية واعتقال الصّحافي عبد الحي عبد السميع، ويدلون بآرائهم حول قضايا داخلية كثيرة أخرى.

بداية هذا العام، انقسمنا بين «أنا شارلي» و«أنا محمد»، وتبادلنا – كالعادة – شتائمنا واتّهاماتنا الجاهزة. وها نحن نُعيد الكرّة قبل نهاية العام.

مع أحداث باريس الأخيرة، كان علينا أن ننقسم بهذا الشّكل العنيف، أن نسبّ ونخوّن ونحظر بعضنا بعضاً، وفاءً لتقليدنا المتأصّل يوماً بعد الآخر.

ما يحدث على الفايسبوك لا يحدث في أيّ شارع أو سوق أو مقهى. هناك بإمكانك الاستماع إلى وجهات نظر مختلفة حدّ التناقض، من دون سبّ ولا تخوين ولا ضرب. هل هنا فقط، في هذه القارة الافتراضية، نصبح عدوانيين ونتجرّد من أصول الحوار ونفقد قدرتنا على تقبّل الرّأي الآخر، أو احترامه على الأقل؟

مشكلة الفايسبوك الأساسية أنه حديقة ومنبر للغوغاء. لكن المشكلة الأكبر هي أن الجميع تورّط في هذا السلوك وانخرط في ذلك الخطاب؛ حتّى «النخبة» التي كشفت الشّبكات الاجتماعية أنها غير موجودة أصلاً.

هنا، لا تختلف كثيراً لغة ما ينشره صحافي أو كاتب عن لغة أي مراهق يكتب باسم مستعار.

هنا، تضيق مساحات العقل وتتمدّد صحاري الغوغائية.

هنا، نستحضر، كلّ مرّة، خلفياتنا الأيديولوجية والتّاريخية لنصارع بعضنا بعضا خلف شاشاتنا. كم تبدو معاركنا صغيرةً وتافهة!

استخدمنا كلّ وسائلنا وأسلحتنا ووصلنا إلى الأعلام. وانقسمنا مرّة أخرى بين فريقين: علم الجزائر وعلم فرنسا.

شخصياً أحترم الطرفين: لا أحد يلوم من يرفع علم بلده. لكن، ليس أقلّ وطنيةً ولا خائناً من يتضامن مع الإنسان أيّاً كان دينه وجنسه وبلده. رفع الفرنسيون أعلام تونس حين ضربها الإرهاب ويرفعون علم فلسطين، ولا ألوم من يضع علم بلده.

الوحيد الذي ليس جديراً بالاحترام هو من يحتفي بالإرهاب ويُبارك إزهاق أرواح الأبرياء.

رغم ذلك، لن أضع أيّاً علم على صورتي، لن أضع علم فرنسا احتراماً لمشاعر من ينظر إليه بحساسية، ولن أضع علم الجزائر، لأن حبّ الوطن، كما قال الزميل الصّحافي كمال زايت، يجب ألاّ يكون مناسباتيا أو ردّة فعل أو زكارتيا(نسبة إلى الزكارة).

نلتقي في قضية مزيّفة أخرى.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …