الخميس، 27 فبراير 2020

الشّاب عبدو.. الرّاي على إيقاع المدّاحات

الشّاب عبدو

الشّاب عبدو، هو واحد من الأسماء الرّائدة في ما يُسمّى «راي المدّاحات»، وصاحب شخصية تجمع المتناقضات.

يكفي فقط التّلفظ بعبارة «الشّاب عبدو» في الجزائر، حتى تنتفض الجهات المُحافظة، والجماعات الإسلامية التي تعدّ الرجل رمزاً للفسق وانحلال الأخلاق. عبدو (اسمه الحقيقي نيار عبد المطلب) لا يردّ على منتقديه، بل يُفضّل التزام الصّمت، مستعيناً بالمثل الشّعبي: «اللي ما يلحق عنقود العنب، يقول عليه حامض»، مشيراً إلى أن مختلف الانتقادات الموجّهة إليه ليست سوى نوع من الغيرة والحسد والأنانية أيضاً.

الابتسامة الدّائمة تطبع محيّا الشاب عبدو(من مواليد 1970 بتلمسان)، ولا يتوانى عن تكرار عبارة «أنا الشّيخ عبدو، ولست الشّاب!». يُفضّل عبارة الشّيخ للدّلالة على جيل سابق يقترب من الجيل المفضّل لعبدو، أي جيل «المدّاحات». وهي تسمية تُطلق على الفرق الموسيقية في الغرب الجزائري، التي تتكوّن من نساء فقط يُحيينَ الأعراس والأفراح العائلية. وهذه الفرق معروفة بجرأتها في الطّرح، وكسر التابوهات، والتعرّض لقضايا اجتماعية محظورة مثل الجنس، والخمر، والعلاقات الحميمة.

الخطوات الأولى في عالم الموسيقى قام بها عبدو في الثّانية عشرة. تأثّر بفرق «المدّاحات» مع نشوئه في وسط اجتماعي يطغى عليه صوت المرأة، ما انعكس على شخصيته، هو الذي يعدّ نفسه امتداداً للمدّاحات اللواتي عاشرهن خلال الطّفولة والمراهقة. يقول: «تربيت بين المدّاحات، وكنت أرافقهن في حفلات الزّفاف والأعراس. وما أقدّمه هو بمثابة تحيّة ووفاء إلى جذوري». حين بلغ العشرين، كانت موسيقى الرّاي في وهران تعيش على الهامش، وتحاول فرض حضورها. انخرط الشّاب عبد المطلب في حياة مهنيّة روتينيّة. اشتغل بدايةً مساعد مُحاسب في إحدى المؤسسات الحكومية، إلا أنّ ميوله الفنية كانت أقوى.. هكذا انسحب تدريجاً إلى حياة الملاهي الليلية في وهران، وشرع في إحياء الحفلات التي كانت تستمر حتى ساعات الصّباح الأولى.

في تلك الأمسيات، كان يستعيد أغاني بعض المدّاحات المعروفات مثل الشّيخة ريميتي(1923-2006). اكتسب عبدو حضوراً وسمعةً، وخصوصاً أنّه كان في منتصف التّسعينيات الصّوت الرّجالي الوحيد الذي يؤدي أسلوب المدّاحات، ما منحه انتشاراً وجمهوراً، لكنّه عرّضه أيضاً لجملة من الانتقادات، إذ لم يكن مألوفاً يومها مشاهدة رجل ذي ميول أنثوية.

استمرت حياة التيه في الكباريهات والسّهرات العائلية حتى عام 1997، حين أصدر أغنية «مادري.. مادري» التي جاء في مطلعها: «يا قلبي نوصيك بالاك تقرا الأمان.. غير يوالفوك ومن بعد يقيسوك في البئر»، المستمدّة من ريبرتوار الشّيخة ريميتي. وهي أغنية أعاد الشاب عبدو تحديثها وتوزيعها، ما أثار سخط ريميتي في البداية، قبل أن يتصالح الطّرفان، ويقدّمان الحفلات المشتركة داخل الجزائر وخارجها.

استطاعت «مادري.. مادري» أن تتربّع على قائمة المبيعات في صيف تلك السّنة، وصارت «أغنية الموسم»، في فترة كانت ساحة الراي تشهد بزوغ عدد من الأسماء المهمة التي راحت تنظر بشيء من الاستغراب والفضول إلى الصّعود المفاجئ للشاب عبدو. خصوصية أغنية «مادري.. مادري» أنها جاءت في فترة كانت موسيقى الرّاي تشهد سيطرة الأغنية العاطفية التي استفادت من نجاحات المغنّيَين الشاب نصرو والشاب حسني(1968-1994) الذي يُعدّ قدوةً لعبدو. يقول عنه بلكنة وهرانية: «اللي ما يبغي حسني ما يبغيش الراي».

منذ النّجاح الأوّل صار اسم الشاب عبدو متداولاً، واستطاع في وقت قصير أن يُقدّم الحفلات الفنية في أوروبا، وخصوصاً فرنسا، ويتفاعل مع جمهور الراي بمختلف فئاته، مواصلاً في الوقت عينه إصدار الألبومات التي حظيت بنجاحات متفاوتة. نذكر من بينها: «هو الكذاب»، و«ندير l’avenir» و«نغدا معاه» و«لو كان».

هذه الأعمال وغيرها منحت عبدو قاعدةً شعبيةً كبيرة امتدّت من شرق الجزائر إلى غرب المغرب، وصار اسمه – بوصفه وريث المدّاحات – الحاضر الأهمّ في مختلف السّهرات الفنية والسياحية.

في مقابل ذلك، فرضت عليه وسائل الإعلام الرّسمية حالة تعتيم مُعلنة بسبب إعلانه صراحة ميوله الجنسية. ولا يرى المغني مانعاً في الظّهور بالماكياج، والملابس الضّيقة والبرّاقة، مع إبراز حساسية أنثوية وصوت دافئ، وتقديم وصلات من الرّقص الشّرقي على المسرح، ما دفع إحدى الصّحف مرةً إلى التّعليق: «الشاب عبدو يهدّد عرش فيفي عبدو».

هذه كلّها عوامل صنعت خصوصيّة الرّجل، ومنحته محبّين وأعداء أيضاً. مع ذلك، فهو يقول: «أنا إنسان مثل بقية النّاس». وغالباً ما يُشبّه الشاب عبدو بالمغني البريطاني المعروف بوي جورج(1961-)، لجهة اشتراكهما في المثلية الجنسية. يُصرّح عبدو: «كل واحد يُمارس حياته بحسب اقتناعاته». إصراره على المجاهرة بهويّته، صبّ عليه غضب المحافظين الذين لا يتعبون من المطالبة بمنعه من الغناء في الأماكن العامة.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …