الثلاثاء، 19 أكتوبر 2021

في الإسلام.. تتوجب الحياة للشهادة وللشهيد!

فرحات عثمان

إن ما يميّز الإسلام اليوم لهذه «اللخبطة» القيمية التي يعيشها أهله، مما جعله ظلاميًا بعد أن كان تنويريًا. ومن معالمها مفهومي الشّهادة والشّهيد اللذين أصبحا تجارة مربحة باسم الدين لمن لا أخلاق له ولا ملّة. نحن نرى شبابنا تهزهم غيرتهم على عقيدتهم وحميتهم الوطنية للتّضحية بأنفسهم، ابتغاء الشّهادة ولأجل أن يصبحوا شهداء.

إنهم في هذا ينصتون إلى «دُعاة» حازوا ثقتهم؛ فإذا هم يشجعونهم على جهاد أصغر انتهى في الإسلام كما انتهت فيه الهجرة.

اليوم، لم يبق إلا الجهاد الأكبر، جهاد النّفس الذي تصرفهم عنه مغالطة هؤلاء الدّعاة الذين لا يتجرأ واحد منهم على الإتيان بأنفسهم أو عبر أهليهم بمثل ما ينصحون به من يغتر بكلامهم.

مفهوما الشّهادة والشّهيد اللذان يتم استغلالهما للدفع بهؤلاء الشباب المغرور بهم خاطـىء تمام الخطأ، إذ هم يجعلون من المفهومين مرادفين للموت في سبيل الله، بينما الشّهادة الحقيقية في الإسلام الصّحيح هي العكس تمامًا، أي البقاء على الحياة، كما سنبيّنه في هذه المقالة؛ فلا شهيد إن مات لأن الميت لا يشهد ولا يأتي بالخبر والشّهادة !

معنى الشّهادة والشّهيد لغة وفقهًا

الشّهادة لغة هي الإعلام والحضور، وهي الخبر القاطع، كما يقول الجوهوي، أي الذي يأتي من المشاهدة والمعاينة. ونقول: شهد الرّجل على كذا بمعنى حضره، فهو شاهد أي حاضر. وهي أيضا، فقهًا، الإخبار عن أمر حضره الشّاهد وشاهده. والشّاهد هو الشّهيد، أي المُخبر، أي العالم الذي يبيّن ما علمه، وهو فعيل من أبنية المبالغة في فاعل.

هذا، والشّاهد أيضا من أسماء الله الحسنى أي الذي لا يغيب عن علمه شيء. وكذلك الشّهيد.

علاوة على هذا المعنى الفقهي، للشّهيد أيضا عند الفقهاء معنى القتيل في سبيل الله. إلا أن هذا بمعنى ليس كالذي يروّج له دعاة الشبيبة للموت.

نعم، فهو عموما، يبقى يُحافظ على المعنى الأصلي المذكور أعلاه، أي الإتيان بالخبر القاطع. وقد وقع الاختلاف في سبب تسمية الشّهيد، فقيل لأن الملائكة تشهده أو لأن الله وملائكته شهود له أو لأنه ممن يُستشهد يوم القيامة على الأمم الخاليّة. وقيل أيضا لسقوطه على الأرض وهي الشّاهدة، أو لأنه حيّ لم يمت كأنه عند ربه شاهد أي حاضر.

الشّهادة هي الحياة لا الموت

هكذ إذن، نرى أن الشهادة تقتضي الحياة والحضور لا الموت والتغيّب، إذ لا معنى لأن يشهد العبد إذا مات، عدا يوم القيامة. وليس هذا ما يطلبه الشّهيد الذي يضحّي بنفسه لأجل قضية آنية وحالية لا يريد انتظار قضاء الله فيها في الدّار الآخرة وإلا لما ضحّى بنفسه.

فالموت لأجل الشّهادة لهو من الخور والضّعف إذ لا شهادة عندها، فلأجل إعلاء الحقّ، الشّهادة كلّ الشهادة في البقاء على قيد الحياة للإدلاء بالشّهادة والإتيان بالخبر القاطع اليقين.

إن الشهيد الحقيقي في الإسلام لهو الشّاهد، أي هذا الذي يقول الحقّ ويُخبر به دون لومة لائم، فهو الضّمير الحيّ والفكر العامل جاهدًا على إعلاء كلمة الحقّ. فهو بهذا أفضل من يخدم دينه ويرعى قيمه إذ لا يفتأ عن العمل على إعلاء كلمة الدّين بالكلمة الطيّبة والمثل السّني ومكارم الأخلاق حتى تعلو الغوغاء والباطل وقد طغيا على الأذهان في دنيا غوت لغلوها في المادية وابتعادها عن الروحانيات، وهي لبّ لباب الإسلام.

هذا هو الشّهيد في الإسلام وهذه هي الشّهادة لأجل إعلاء كلمة الله ورعاية حقوقه بين البشر لا الموت والهرب من الجهاد الحقيقي، الجهاد الأكبر، مصارعة للنفس وإعلاء للدين!

الشهادة تقتضي الحياة والحضور لا الموت والتغيّب

في القرآن، لا شهيد ولا شهادة عند القتل والقتال

ليس ما أقول من باب التّفكير النّظري والاجتهاد الذي لا يمت بحال إلى الدّين، بل هو الاستلهام الصّحيح لمقاصد الشّريعة والقراءة المتمعنة لآيات القرآن وأحاديث السّنة.

فلا شيء في القرآن يدلّ على أن الشّهيد هو الذي يموت لأجل الدّين أو أنّ الشّهادة تقتضي القتال. فمن يتمعن في آيات القرآن ويستقصي معانيه، يُعاين حقّ المعاينة أن الشّهادة تحافظ على معناها اللغوي أي الإعلام والحضور والعلم والإخبار.

فلا علاقة في ديننا من خلال ما ليس لنا غنى عنه كمرجع، أي القرآن والسّنة الصّحيحة، لا علاقة فيهما بين الشّهادة والقتل كما ذهب إلى ذلك الفقهاء.

ولنا أن نجتهد في ديننا لزمننا تماما كما فعلوا  لزمنهم؛ فقد اجتهدوا فقالوا مثلا أن الشّهيد على ثلاثة أقسام: شهيد الدّنيا والآخرة، وشهيد الدّنيا وشهيد الآخرة على أن يكون الأول هو الذي يُقتل في قتال لتكون كلمة الله هي العليا دون غرض من أغراض الدنيا، هذا اجتهاد من سبق وليس هو ضرورة بالاجتهاد الصّحيح، ولو أنه المعنى الحالي المغلوط عند شبيبتبا التي تضحي بحياتها من أجل دينها.

ليعلم الشّباب أنه لا توجد آية واحدة في القرآن بالمعنى الذي ذهب إليه السّلف؛ إنما كل آيات القرآن في  المعنى الذي يقتضي الحضور والحياة للشهادة أي الحياة لا الموت.

كما إنه لا حديث بتاتا في «صحيح مسلم» يخص الموضوع؛ أما البخاري فالحديث الوحيد الذي يورده هو الآتي: «الشّهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشّهيد في سبيل الله». وهذا الحديث يبيّن أنه لا فرق بين من يموت في سبيل الله ومن يموت لإصابته بالطّاعون أو لغرق مثلا؛ فأي امتياز لمن يموت في سبيل الله فلا يقوم بواجب أعلى وأسمى هو الشّهادة للإسلام بالكلمة والحجة الدامغتين؟ فنحن نعلم أن للكلم السّحر الذي يأتي بالعجائب والقوّة التي تفوق فاعلية السّلاح الفتاك؛ أليس في البيان سحرا؟

ضرورة إصلاح فهمنا الخاطيء للاستشهاد

إننا اليوم، وقد وصل أعداء الإسلام بديننا إلى الدرك الأسفل من المهانة وقلة الحيلة، فقدنا قوة الحجّة والدّليل القاطع للتبيين على علو كعب مبادىء ديننا وسموّ مقاصده، رغم أن الإسلام أولاً وآخرا حجة قاطعة ورسالة مبيّنة.

كيف نعيد إذن للدّين رونقه وهو الذي تمثّلت معجزتة في قرآن مبين، دون ترك مسالك الموت والهروب من الواقع المرير لمجابهة الأعداء بخير سلاح وأقهر لهم، أي مبادىء إيمان روحاني كوني كان ثورة عقلية عارمة وإناسة قبل أوانها وحداثة سبقت الحداثة الغربية؟

لا يكون هذا إلا بالحرص على الشّهادة الصّحيحة التي هي الإخبار عن إعجاز القرآن وروائع تعاليم الإسلام في عالم انطفأت أنواره لسقوطه في مادية لغلوها أضاعت القيّم البشرية.

فقد تهافتت في هذه المادية المفرطة فتوحات العقل البشري فصارت مطيّة لكل من يدوس كل ما جاءت به الدّيانات، وخاصة الإسلام، من علوّ أخلاقي لا يمكن استعادته إلا بإقامة الدّليل ومقارعة عناد العدو بالحضور لا الغياب على أرض الصراع، بالحجّة لا بالقتل والتقاتل، فالإسلام إحياء في الأرض لا إفساد فيها.

هذا واجبنا اليوم إزاء ديننا وواجب أئمة الإسلام إزاء شبيبة عالية الأخلاق تود خدمة دينها إلا أنه يقع التغرير بها، فترمي بنفسها للتهلكة، فتموت ولا تخدم بتاتا دينها بينما تعتقد صادقة ذلك.

هل حان الوقت لعودة الوعي لدعاتنا، للحفاظ على أرواح شبابنا ذخرا لدينهم حتى يخدموه خير خدمة بالإخبار عن عيان، بلفظ الصّدق وبرهان العقل بحقّ دين عقلي عقلاني علمي التّعاليم عالميها حتى يعلو فوق كل ما عاداه من ماديات هذا الزمن وفواحشه!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …