الأربعاء، 26 فبراير 2020

جان بول سارتر : «عارنا» في الجزائر

كتب «عارنا في الجزائر»، مندّدًا من خلاله بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، أمضى «البيان 121» المؤيّد للثّورة الجزائرية، واستقلال الجزائر، رفض تسلّم جائزة نوبل للآداب (1964)، تظاهر مع المتظاهرين؛ ليتعرّض جرّاء مواقفه الشّجاعة تلك، إلى الاعتقال والمحاكمة؛ هكذا تمّ مصادرة مجلته «الأزمنة المعاصرة»، وتعرّض منزله إلى الاعتداء من طرف المنظمة السرية الفرنسية أكثر من مرّة. ورغم ذلك، تمتنع السّلطات الجزائرية عن إطلاق اسمه على مؤسسة ثقافية أو تربوية؛ لم يحظ بتكريم، ولا بالتفاتة توازي الحدّ الأدنى من نضال هذا الفيلسوف الكبير صديق الجزائر.

 يُعتبر الفرنسي جان بول سارتر (1905-1980)، واحدًا أبرز الفلاسفة المعاصرين في العالم، تميّز بالنسبة للجزائر خاصة، بمواقفه الصّريحة والواضحة المناهضة للاستعمار الفرنسي، وتأييده المطلق لاستقلال الجزائر، ليس على مستوى النّصوص والكتابات فحسب، بل والمواقف أيضا؛ يتجسّد ذلك، من خلال المظاهرات التي كان يقودها في باريس، والبيانات التي كان يحرص على إمضائها والتّرويج لها بوصفه شخصية أدبية شهيرة، ولعل من أشهرها «البيان 121» الدّاعم للثّورة الجزائرية (والذي وقّع عليه عدد معتبر من المثقفين اللامعين حينها، على غرار موريس بلانشو وميشال بيتور).

نصّه «عارنا في الجزائر»، مثلاً، يُشكّل نموذجًا فريدًا في الكتابة الملتزمة، وفي تجسيد الالتزام الحقيقي بالقضايا العادلة. أن يقف مثقّف في مواجهة بلده، مندّدًا بممارساته، فاضحًا لسياساته الاستعمارية، ليس بالأمر الهيّن. يكتشف قارئ «عارنا في الجزائر» وضوح الرؤية لدى سارتر، ها هو يكتب مثلا عن سياسة الإصلاحات التي كانت تزمع الإدارة الاستعمارية انتهاجها، كبديل عن الدّعوى للاستقلال: «حقًا إن أغلبية الجزائريين يعيشون عيشة ضنكا، وفي فقر مدقع… لا يمكن لتلك الإصلاحات أن تتمّ على أيد المستعمرين «الصّالحين»، ولا على يد فرنسا نفسها، مادامت وجهتها هي السّيادة على الجزائر، وأنه لن ينهض بها إلا الشّعب الجزائري نفسه، حين يظفر بحريته، ويكون مستقلا استقلالا، لا تشوبه شائبة…».

في آخر الكتاب نفسه (تعريب دار الآداب – بيروت) ينحاز سارتر بوضوح إلى استقلال الجزائر، بوصفه حلاً لا بديل عنه : «إذا كنا نريد أن نوقف هذه الأعمال الإجرامية، التي تنفر منها الإنسانية، وأن ننتشل فرنسا من وصمة العار، وننقذ الجزائريين من هذا العذاب الوحشي» كما كتب.

وقد ذهب سارتر إلى أبعد ما يكون في تجسيد مسؤوليته الأخلاقية، حيث يعتبر أن الصّمت على جرائم الاستعمار، هو جريمة أخرى : «ولكن ما الفارق بيننا وبين هؤلاء الساديين؟ لا شيء مادمنا نسكت على جرائمهم» أضاف.

عارنا في الجزائر

وقد تجلت مواقفه الواضحة أيضا، عندما وقّع مقدّمة الكتاب الشّهير «معذبو الأرض»(1961) لفرانز فانون، مثمّنا ما جاء في الكتاب، ومشجعًا لهكذا نصوص تفضح سياسات الاستعمار.

ولم يتوقّف التزام سارتر على مستوى التّأليف والكتابات فقط، بل امتدت مواقفه لتشمل أيضا التّجسيد الفعلي لأفكاره الطلائعية على أرض الواقع، فقد كان من أوائل المثقفين الفرنسيين بل والمحرّضين على تبني مانفيستو 121 المؤيّد للثّورة الجزائرية، كما امتنع عن تسلّم جائزة نوبل للآداب؛ ويُقال أن موقفه السّابق المؤيد لاستقلال الجزائر، واستيائه من الموقف الدّولي المتخاذل، كانا وراء رفضه للجائزة العالمية.

وهكذا تعرّض سارتر نتيجة لمواقفه الشّجاعة من أجل الجزائرالمستقلة، إلى الاعتقال وإلى المحاكمة، كما تمّ مصادرة مجلته «الأزمنة المعاصرة»، وتعرّض منزله إلى اعتداء من طرف المنظمة السّرية الفرنسية مرتين. وهي الاعتداءات التي لم تثنه عن مواصلة نضاله المستمر في تأييد الثورة الجزائرية، وجميع القضايا العادلة عبر العالم.

لكن المؤسف حقًا، أنه رغم كل هذه المواقف الشّجاعة، امتنعت السّلطات الجزائرية المتعاقبة، لأسباب غير مفهومة، عن إطلاق اسمه على واحدة من المؤسسات الثقافية الكثيرة، أو مؤسسة تربوية، أو جامعة، ليس هذا فحسب، لم يحظ بتكريم بعد وفاته، ولا بإقامة ملتقى أو ندوة تحمل اسمه، أو على الأقل بالتفاتة توازي الحدّ الأدنى من نضال هذا الفيلسوف الكبير صديق الجزائر.

جان بول سارتر، سيبقى «عارنا في الجزائر». لم نحسن للأسف تثمين مواقف رجال شرفاء «أجانب» وقفوا إلى جانبنا، ودافعوا عنّا وقت الشدّة، عسى فقط أن لا يكون الدّافع من وراء هكذا «جحود»، عقائديًا أو فكريًا أو عرقيًا!

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …