الجمعة، 20 سبتمبر 2019

ميشال فوكو قارئا ﻟ«صراع العروش»

بن علي لونيس

مشهد من سلسلة «صراع العروش»

منذ بداية التّاريخ البشري كانت السّلطة تسير جنباً إلى جنب مع العنف، حتّى أضحيا متلازمين تلازم الشّيء مع ظلّه؛ فقد أبانت التّجارب التاريخية في مختلف الحضارات أنّ أفضل وأنجع وسائل التّدجين والسّيطرة هي الحكم بقوة السّيف، وبثّ الرّعب في نفوس الرعية، وهو ما يوفّر لهذه السّلطة فرصاً ثمينة للاستمرارية. القاعدة كانت دائما نفسها، حتى لو اختلفت طبيعة الأنظمة السياسية، وهي: لا يمكن أن تتحكم على البشر دون أن تكون قادراً على ترويعهم؛ فأعظم الحكّام في التاريخ كانوا أيضا رموزاً للرعب.

في سلسلة «صراع العروش»(Game of Thrones) المقتبسة عن رواية «أغنية الجليد والنار» للكاتب الأمريكي جورج رايموند ريتشارد مارتن(1948)، تصوير تخييلي لفكرة الصّراع الدّموي لأجل السّلطة، والتي تحكي عن حروب لا نهاية لها بين مماليك مختلفة، كلّ مملكة تدعي أحقيّتها في السّيطرة على كلّ الأراضي، غير أنّ ما ينوي إليه هذا المقال هو التّركيز تحديداً على صورة (الملك) باعتباره رمزا للسّلطة، وعلاقته بفنون العنف التي يُمارسها على رعيته وعلى أعداء مملكته؛ فالسلسلة التي تبث في قناة مشفرة، تعرض الكثير من مشاهد الإعدام الفظيعة، ومشاهد القتل والتّنكيل بالجثث، إذ في كل حلقة نكتشف أسلوباً مختلفا من التّعذيب والقتل، وكلّ أسلوب يعكس تصوّرا ما لفلسفة العقاب.

وفي هذا السّياق، نجد أنّنا بمقدورنا تحليل هذه المشاهد وتفسيرها على ضوء ما كتبه الفيلسوف الفرنسي «ميشال فوكو»(1926-1984) وتحديداً في كتابه المهم «المراقبة والمعاقبة، ولادة السّجن»(1975)، عن أشكال العقاب في الثّقافة الأوروبية القروسطية،(ولابد أن نشير إلى أنّ سلسلة صراع العروش اتخذت من أجواء العصور الوسطى مسرحاً لأحداثها) وكيف تحوّلت هذه الأساليب إلى تقنية سياسية تعبّر عن رؤية سياسية لفكرتي الحياة والموت.

ميشال فوكو

كتب ميشال فوكو في الكتاب نفسه: «إنّ التّعذيب لا يُعيد العدالة؛ إلى نصابها، بل يُقوّي السّلطة»، إذ نفهم من هذه الجملة العميقة أنّ تسليط العقاب على المجرم أو الخارج عن القانون، لا يكون الغرض منه تجسيد العدالة في المجتمع، أو الاقتصاص من المجرمين، بل ثمة غاية أجلّ منها وهي خدمة السلطة لأجل تقوية أركانها، واستمرار وجودها.

إنّ وراء مشاهد التّعذيب والقتل التي كثرت بشكل ملفت في «صراع العروش» وأمام عيون الرّعية، كانت دائما تُمارس ضمن طقس سياسي، بحضور الملك أو ممثّل عن السّلطة، ليتحوّل جسد المجرم (والمجرم في الغالب هو ذلك الشخص الذي خرج عن الطّاعة) إلى مسرح دموي يبرز قوة الملك، وقدرته على الفتك.

فالغاية من العقاب ليست الاقتصاص من المجرمين والخارجين عن القانون، بل هي ضمان الطمأنينة للسّلطة، وسنُلاحظ أنّ أغلب مشاهد التّعذيب والإعدام تتمّ بين الحشود، وهو الأمر الذي يعني أنّ إعدام المجرم أو تعذيبه أمام مرأى من يمثلّون الرعية ليس الهدف منه إشباع رغبتهم في الانتقام من المجرمين، فهذا ظاهريا ما تريد السلطة أن توحي إليه، لكن في العمق، هو نقل الرعب إليهم، وغرس فكرة الخوف من بطش السّلطة، وهي رسالة لكلّ من ستوسّل له نفسه في المستقبل لأن يفكر في الخروج عن الطاعة.

ويضيف فوكو بأنّ التّعذيب يلعب هذه الوظيفة السياسية، وهو نوع من الطقس الاحتفالي تجدد السلطة قوتها أمام مرأى الرعية وقد انتابهم الخوف من تلك المشاهد.

يلعب التّعذيب إذن على مساحة المخيال الجمعي للرعية من حيث أنه يجعل كل فرد يُراجع مواقفه من السّلطة، وكأنّ هذه السّلطة على علم بأنّ الجميع ناقم عليها، وسيأتي يوم تثور عليها تلك الجموع، فهي مسألة وقت فقط، ولأجل تأجيل هذه الثّورة، تعمد إلى هذه اللعبة الدموية.

إنّ التّعذيب هو تقنية سياسية، لهذا قال فوكو مستنتجا بأنّ «عدالة الملك تبدو وكأنها عدالة مسلحة». إذ لا توجد عدالة آمنة أو سلمية، طالما أن السّلطة مدار صراع قوى الحكم، فلا بد من أن تعمّ عدالة السّيف، طالما أن كلّ مجرم هو في نظر السلطة عدو للملك.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع