الخميس، 27 فبراير 2020

محمد رشد ﻟ «نفحة»: إيبرهاردت شغفي وبشار مدينتي

محمد رشد

استقلّ محمد رشد(1941) الطّائرة من باريس إلى برشلونة، ومن هناك إلى وهران، بالحافلة وصل العين الصّفراء (ولاية النعامة)، يوم الجمعة 16 أكتوبر.

استقبلناه لنصف ساعة أو أقلّ، وضع بعضًا من أغراضه، وقرّر العودة إلى مدينة بشار، مع أوّل حافلة. كان برنامج ملتقى إيزابيل إيبرهاردت، المُنظّم من طرف «جمعية صافية كتو» يتضمّن بيعًا بالإهداء لآخر أعماله(صدر العام الماضي)، وكتبه متواجدة في بشار. احتسى بسرعة فنجانًا من القهوة، ثم ركب الحافلة صوب بشار جنوبًا.

حوالي منتصف الليل، استقبلنا ثانية محمد رشد(اسمه الحقيقي جيل كامف) عائدًا من بشار، وهو يتأبّط كتبه، سعيدًا، رغم متاعب السّفر الذي حاول عبثا مداراته. تساءلنا باستغراب كيف لهذا الرّجل السّبعيني أن يقطع كل هذه المسافة الطّويلة، وأن يتحمّل كلّ هذا التّعب الشّديد من أجل لقاء قرائه؟ وحضور ملتقى، يعلم جيّدا أن من يتولى تنظيمه جمعية محلية، إمكانياتها المادية محدودة جدًّا، وبالتّالي ليست هناك مكافأة مالية نظير محاضرته، بالكاد يمنح له تكاليف سفره. ردّ على دهشتنا: «يهون التّعب أمام لقاء كهذا، لقاء حقيقي ينجز بعيدًا عن زيف الرّسمي، كنت أترقّبه بشغف.. أبوح فيه أمامكم عن أسرار إيزابيل إيبرهاردت، أزور ضريحها في مقبرة المسلمين، وأركض بين كثبان الرمل التي كانت تطأها أقدامها». لم نسترسل كثيرا في الحديث معه، أجلنا الأمر إلى الغد، ثم تركناه في الفندق يخلد للنّوم.

اتفقنا على عدم إزعاجه صباح اليوم الموالي، موعد الملتقى، وأن نتّصل به حوالي العاشرة صباحا، ولكننا تفاجأنا بالرّجل يُهاتفنا حوالي السّاعة السّابعة، مُبديًّا استعداده للقائنا. كانت فرصة لنا في مجلة «نفحة» لنتبادل معه أطراف الحديث، عن حياته، عن إيزابيل عن مؤلفاته. قال لنا وهو يتحدّث بالفرنسية، ومن حين لآخر باللغة العربية ولكن بلكنة: «دخلت إلى الجزائر عام1963، لانتقل رأسا إلى مدينة بشار جنوب الغرب الجزائري، وبالتّحديد قرية القنادسة التي كانت تضمّ أكبر مناجم الفحم في الجزائر (القنادسة هي كذلك مسقط رأس ياسمينة خضرا، بيار رابحي ومليكة مقدم) وهناك تعرّفت على كتابات إيزابيل إيبرهارت، واقتفيت آثارها من خلال القصر العتيق، الذي زارته في أيامها الأخيرة، وكتبت عن القصر نصوصًا رائعة، كما كنت استمع إلى شهادات مُسنين عن آبائهم، وهم يتحدّثون عنها». ثم يضيف: «حياة إيزابيل، كتاباتها، طيبة سكان الجنوب الجزائري، أشياء جعلتني أكتشف الدّين الإسلامي السّمح، وبالتّالي قررت مقتنعا اعتناقه، وهكذا أعلنت دخولي للدين الإسلامي في مسجد بشار بتاريخ 12 أفريل 1965، أتذكر التاريخ جيّدًا..  وفي عيد الأضحى المبارك، أتذكّر المناسبة جيدًا.. وسرعان ما أصبحت أُسمّى محمد رشد، وصرت جزائريًّا» قال مبتسما، وهو يُرينا بطاقة تعريفه، فقد قاده شغفه بإيزابيل لاعتناق الإسلام اقتداءً بسيرتها.

عقود من التنقيب في إرث إيزابيل

وعن منجزه الأدبي، قال محمد رشد ﻟ «نفحة»: «تخصّصت تقريبا في التّقصّي والبحث عن نصوص إيزابيل، خاصة من خلال إجراء عملية مقارنة بين نصوصها الأصلية، وبين النصوص التي حاول وضعها فيكتور باريكوند، المسؤول آنذاك عن نشر أعمالها، وذلك بعد تمكّني من رخصة ولوج مركز الأرشيف في «أيكس بروفانس» جنوب فرنسا، أين تتواجد مخطوطات إيزابيل التي غمرها وادي العين الصفراء، وأودى بحياة الكتابة ذات أكتوبر 1904».

ومن مؤلفات محمد رشد التي تناولت نصوص إيزابيل، نذكر «السّفر الأخير في الظلّ الدّافئ للإسلام»(1991)، «إيزابيل مغاربية بالتّبني»(1992)، «الجنوب الوهراني، ملاحظات على الطّريق»(2014). ثم أضاف في حسرة شديدة: «أقمت في مدينة بشار، اشتريت منزلاً، وتزوّجت من امرأة مسلمة، وبدأت أدرّس اللغة الفرنسية في الثّانوية، للأسف في التسعينيات، أخذ العنف ضد «الأجانب» منحى خطيرًا، وهو ما اضطرني وأسرتي إلى الانتقال إلى فرنسا، ولكنني من حين لآخر أزور العين الصفراء، وخاصة بشار المدينة التي أشعر حقا، أنها مدينتي التي خُلقت لأعيش فيها وبين أهلها..».

على السّاعة الثالثة، مع بداية الملتقى قدّم محمد رشد محاضرته بالفرنسية، شدّت بمحتواها الثّري انتباه الحاضرين، أثناء المناقشة كان يُجيب عن الأسئلة، باللغة الفرنسية، وأحيانا قليلة باللغة العربية، ولكنه كان يستوعب جيّدًا الأسئلة باللغة العربية. وفي جلسة البيع بالإهداء، نفدت أمام دهشته وسعادته، جميع النسخ التي جاء بها من كتابه «الجنوب الوهراني، ملاحظات على الطّريق»، والذي يتضمّن نصوصا وصوّرا نادرة عن إيزابيل ايبرهارد، وذلك رغم غلاء سعره(800 دج)، والذي برّر متأسفا أن السعر حدّدته دار النشر. أثناء امضائه لنسختي من كتابه، كتب بخط جميل «أتمنى حقا أن تفكر في ترجمة كتابي هذا».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …