الجمعة، 20 سبتمبر 2019

حديقة مكثر.. أيقونة خضراء وسط الصّحراء

 علي نابتي

حديقة مكثر

تعدّ «حديقة مكثر»، الواقعة بأعالي مدينة العين الصفراء، على إقليم قصر سيدي بودخيل، أعرق حديقة بالجنوب الجزائري، حيث يعود تاريخ تهيئتها من لدن الجيش الفرنسي في مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، موازاة مع بناء الثكنات العسكرية الشّهيرة بهندستها العربية الإسلامية.

ظلّت هذه الأيقونة الطّبيعية البيئية صامدة لوحدها أمام عاديات الزمان تلقي بظلالها الوارفة على نزل مكثر العتيق (بُني عام 1974، من 4 نجوم) حامية له من خطر زحف الرمال بجذورها الضّاربة في العمق.

في سابقة تُشكر عليها، بادرت جمعية أصدقاء الأطلس الفتية، مطلع أكتوبر الماضي، إلى تنظيم حملة تطوعية لتنظيف هذه الحديقة العريقة، وتنبيه الجهات المسؤولية إلى نوع من الحشرات بات يهدد أشجارها المُعمرة.. ومبعث الأمل في هذه الهبة الجمعوية هو إشراك أطفال المدارس في التّطوّع.

فكرنا من جهتنا في المساهمة رمزيًا بهذا المقال، الذي نسعى من خلاله التّعريف بالسّياق التّاريخي الذي تمّ فيه تحقيق هذا الإنجاز، حيث اعتمدنا في ذلك على تقرير علمي معنون بـ « الكثبان الرملية المتحركة للعين الصفراء (جنوب وهراني)..» لمؤَلفه فيكتور ريستون (Victor Riston)، ورد في كتاب جماعي صدر بباريس (1890).

بعد استيلاء الجيش الفرنسي على قصر عين صافية (الاسم القديم للعين الصفراء) لم يطق أفراده الإقامة بالثّكنات الواقعة أسفل الكثبان الرملية، خاصة عند حلول فصل الصيف، مما دفع بقيادتهم إلى نقلهم مؤقتا كلما حلّ الصيف طيلة ثلاثة أشهر وسط بيئة جبلية تتميّز بهوائها المنعش لاسيما في المكان المُسمى «رأس الريح»، بموقع استراتيجي يسمى «عين عيسى» بالجبل المطلّ على قرية مكاليس، بحيث يرصدون جميع التّحركات على شرق العين الصفراء وعلى غربها.

لم تكن المنطقة هادئة عندما كان العسكر الفرنسيون يقومون بإنجاز هذا المشروع الأخضر إذ كانت مقاومة الشيخ بوعمامة لا تزال تحاصرهم وتضايق تحركاتهم وتنسف مشاريعهم الرامية إلى التوغّل في الصّحراء الجزائرية وإحكام سيطرتهم عليها.

من عين الصفراء

تعود فكرة مشروع حديقة الكثبان الرملية، بمحاذاة قصر سيدي أبو الدخيل إلى عام 1884، حيث أطلق على الإنجاز تسمية تجارب «تثبيت غرس الشجر» في محاولة لتغيير الوسط البيئي بتلطيفه مما يساعد على الإقامة المريحة للجنود الفرنسيين. منذ البداية أدرك المختصّون الفرنسيون من العسكر تأثير الرياح الغربية في تشكيل التلّ الرّملي الزّاحف نحو الشّرق، وهو ما يعني طمر الرّمل للعيون المائية التي كان  الجيش الفرنسي في أمس الحاجة إليها، حيث شكّل هذا العامل الدّافع الأساس في التّفكير في الكيفية التي تحدّ من زحف الرمال. تمتد الكثبان الرملية الرابضة أسفل جبل مكثر على طول 15 كلم انطلاقا من المنفذ الشّمالي «لخناق جليبة» على الضّفة اليمنى لوادي البريج على مسافة 14 كلم لتتضاءل الكثبان عند «قليل التسور» باتجاه شمال شرق. يبلغ عرض هذا التلّ الرملي 4 كلم.

قام الفرنسيون بقيادة النقيب قودرون(Godron)، رئيس مكتب العرب لدائرة العين الصفراء، بإجراء التّجارب الأولى للغرس بالحقول التي استولوا عليها، حيث كان المبتغى هو الحصول على البذور التي تنمو في عمق الرمال الزاحفة إذ تمّ سقيها بمعدلات خفيفة تفاديا لتبعات الجفاف. وما إن أثمرت النتائج حتى انتقل القائمون على المشروع إلى مرحلة اختيار نوع الشّجر بتجريب كلّ الأنواع المتوفرة في الجزائر وكذا خارجها.

انطلقت المحاولات الجادّة عام 1886، حيث أفضت إلى توفر الرمال على طبقة خصبة على عمق متوسط، شجّعهم على غرس فسائل من النّوع نفسه في عمق يسمح لأسفل ساق الفسيلة بلوغ الرطوبة الثّابتة. تتمثّل أبرز الأنواع النباتية التي وقع اختيار المهندسين الفلاحيين عليها في: التين البربري، العريش، الصفصاف، الرند، الكروم بالإضافة إلى أنواع أخرى. فاقت النتائج المحصل عليها توقعاتهم في ظلّ ضآلة الموارد المُوجهة لتغطية تنفيذ المشروع. تتلخّص أكبر العوائق والتّحديات التي واجهها التقنيون في المضاعفات النّاجمة عن عملية نقل الجذور إلى تربة جديدة(déracinement)، وكذا انحناء الشجيرات جراء وضعيات الغرس، حيث أنّ تلك التي غُرست باتجاه الرياح قد تعرّت تماما في حين المغروسة باتجاه الشرق غطتّها رواسب الكثيب الرملي بكميات مُلفتة.

واحدة من أقدم الحدائق في جنوب البلاد

استهدف التّدخل الفوري منع الرياح من تحريك الرمال، كَحَل أوليّ، قبل أن تتمكّن الأشجار من فعل ذلك عند نشر جذورها لاسيما عند منحدرات الكثبان المكشوفة للرياح الغربية. نجح أصحاب المشروع في إيجاد حيلة تمثلت في تغطية التراب الزاحف بطبقة من دبال الحلفاء غير المُستهلك، حيث أثمرت هذه الفكرة التطبيقية إنجاح عملية تثبيت الرمل مؤقتا. غطت الأشغال ما يزيد عن 15 هكتارا وبحلول عام 1889 قفزت إلى ما يزيد عن خمسين هكتارا.

شجّعت هذه النتائج عسكر فرنسا على توسيع محيط المشروع بمراعاة مواصلة التثبيت المؤقت للرمال الزاحفة عن طريق الدبال غير المستهلك والاستقرار النّهائي على اختيار الأشجار والشّجيرات التي أثبتت نجاعتها.

واجه الفرنسيون صعوبات في توفير مادة الدبال جراء توسع التغطية الخضراء، فما كانت توفره خيولهم من دبال أصبح غير كافٍ مما حذا بهم شراءه من إسطبلات الأهالي. ولتوفير الأشجار والشجيرات فقد اعتمدوا على الموارد المحلية من شركة التشجير لمقاطعة وهران وحديقة التجارب الكائنة بالجزائر العاصمة. تم الغرس بثلاث طرق، هي: البذر، غرس الفسائل، غرس الأشجار والشجيرات الجاهزة، إذ انطلقت أكبر العمليات عام 1887 محقّقة نجاح 20.000 غرس ليصل العدد في غضون العاميّن المواليّن إلى 88.702 غرس لمختلف الأنواع التي أثبتت نجاحها ونذكر أهمها: شجر التين، التين البربري، دُراقن، صفصاف إيطاليا، زيتون الصّين، الصفصاف متدلي الأغصان (يدعى محليا الرند)، الكروم، القصب، العريش (يوجد أسفل الكثبان وعلى حواف وادي صفرا)، أما الدرين فينمو طبيعيًا وسط الكثبان الرّملية وعلى قممها حيث اعتبره فكتور ريستون، عضو الجمعية الجيولوجية لفرنسا، الأنجع والأمثل.

إن إعادة الاعتبار لهذه الحديقة الغابة سيسهم في استحداث متنفّس جديد لأهل المدينة لاسيما أن الموقع يدخل في نطاق مناطق التوسع السّياحي فضلا على أن تردد الجمعيات والزوار عليه سيشكّل الدرع الواقية له من الإهمال والعبث. في الأخير نتمنّى أن تستمر هذه المبادرة وتُتوج بتصنيف حديقة مكثر بلقب معلم أثري وطني.

 

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اكتشاف أثري جديد : قبور جنائزية تشبه الأهرامات

عقون أحمد يتضح من خلال التنقيبات الأركيولوجية المرتبطة بالقبور الما قبل تاريخية في شمال أفريقيا، …

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …