الخميس، 27 فبراير 2020

لغة الإشهار وأسرارها المثيرة!

رشيد فيلالي

المتمعن في ملصقات الإشهار التي نصادفها معلّقة هنا وهناك على الجدران والفضاءات الخاصة الموزّعة عبر شوارع مدننا بالجزائر، لا محالة قد لاحظ تلك التعابير العامية الموغلة في الركاكة الممجوجة والسمجة والتي تصل حدّ الابتذال والسوقية في عرض خدمات المؤسسة الاقتصادية التي تمثلها.

وفي المقابل، نجد النصّ الفرنسي الذي يتبع النصّ العربي العامي مثل ظلّه، في غاية السّحر والإبداع والإتقان اللغوي، ترى من هو المسؤول عن هذا «التسويق اللغوي» الفاسد والرديء؟ أم أن في المسألة سياسة مبيتة ومدروسة تهدف إلى مخاطبة الزبون بما يفهمه أو قل بما يتناسب مع مستواه وذوقه العام، لكن هل كل الزبائن بمثل هذا المستوى من الرداءة والمحدودية في الذوق؟

أتصوّر أن الأمر بحاجة إلى إعادة نظر جذرية ضمن هذا النّوع من المجالات التجارية التي تحتاج قطعا إلى لمسات إبداعية وجمالية وإحساس مرهف وذوق رفيع، لا يرتهن لذوق العامة والدهماء والغوغاء، الذي تطبعه عادة الفجاجة والسطحية والنزعات الغريزية الهابطة..

والمتابع لما يأتينا من الضّفة الأخرى يبقى في غاية الإعجاب وحتى الدهشة من تزاوج «التسويق اللغوي» مع الثقافة الرفيعة والتّحكم في دواليب المعرفة، وإخضاعها واستغلالها قدر الإمكان في الإشهار، بدءا من حسن اختيار الماركات التجارية إلى غاية اكتمال المنتوج واستقباله من طرف الزبون، وإذا علمنا بأن للماركات التجارية واسم المنتوج دور لا يخفى في عامل شهرته وانتشاره وحتى نجاحه، فإننا ندرك قطعا روح الإبداع التي تسكن التاجر الأجنبي واجتهاده في تقديم الأفضل وتحت تسميات يبذل كل ما يملك من عبقرية في اختيار أكثرها جاذبية وسلاسة وخفّة روح.

اسم ريبوك مشتقّ من اسم أحد اسرع أنواع الغزلان

والجدير بالذكر أن بعض الماركات التجارية جاءت صحيح بمحض الصّدفة، لكن أغلبها ولد عقب دراسة مسبقة وعميقة، لكن في كل الأحوال عرفت تلك الماركات في النّهاية نجاحا عالميا باهرا، مثلا اسم الحذاء الرياضي الشّهير ريبوك (Reebok)، فقد تمّ اختيار تسميته عام 1956، من اسم أحد أسرع أنواع الغزلان، التي تعيش في جنوب إفريقيا ويسمى (Rhebok)، أي أن مسوّق الحذاء الرياضي أجرى تعديلا بسيطا على اسم الغزال لأسباب تجارية محضّة، لكنها ناجحة للغاية وأعطت ثمارها الطيّبة في السّوق، وهناك مثال آخر لا يقل أهمية في هذا المجال، حيث أن أحد منتجي مشتقات الحليب من مقاطعة برشلونة واسمه إسحاق كاراسو(Isaac Carasso) قام عام 1919 بإطلاق كنية ابنه «دانيال الصغير، Petit Daniel» على هذا المنتوج الذي دخل بيوتنا وصار واحدا من طعامنا اليومي، إنه ياغورت «دانون، «Danone ومعنى هذا الاسم بالكاتالانية «دانيال الصغير» لكن مع إضافة حرف(e) في آخر الكلمة لدواع جمالية وتجارية.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …