الجمعة، 20 سبتمبر 2019

ربيعة جلطي تكتب: حنين بالنعناع

غلاف الرواية

صدرت أخيرًا رواية جديدة للكاتبة والشّاعرة ربيعة جلطي، بعنوان: «حنين بالنعناع»(منشورات ضفاف والاختلاف)، ستكون متوافرة في معرض الجزائر الدّولي للكتاب، نهاية الشّهر الحالي، وهي الرّواية الرّابعة في رصيد ربيعة جلطي، وفيما يلي مقطع منها.

«– أنا صافو..! مدت لي يدها.

– الضاوية!

ثم بضحكات متقطعة قالت مرحبا بك مرحبا بك.. أعرف أنك تفاجأت بوجودي هنا في غياب “نزهة”. أنا لم أتفاجأ لأن هذا يحدث عادة. فنزهة منذ مدة تضع بعض نسخ من مفاتيح شقتها بين أيدي صديقاتها التي تختارهن بعناية. أصبحت تخشى المكوث هنا ربما هي تخاف الوحدة، ومنذ أن وصلتها رسالة تهديد موقعة من جهة  تكفيرية بقتلها إن هي واصلت في كتابة قصصها ذات السخرية اللاذعة. وجدت الرسالة تحت ماسح الزجاج الأمامي لسيارتها التي عادة ما تضعها في الطابق السابع  تحت الأرض في المرآب الكبير. في الحقيقة – أضافت صافو – لم أر أية علامة خوف على ملامح نزهة بل إنها أردفت كقرار النهائي:

– إذا كانت قصصي تزعجهم إلى هذا الحد وتؤذيهم وتقض مضاجعهم وتفلس مشاريعهم فسأتفرغ إذن نهائيا  للكتابة..

أدارت صافو الكأس في يدها تتأمله ثم رشفت منه بهدوء.. علمت أن نزهة تقيم أغلب شهور السنة في نورمانديا على ضفة بحر المانش، تكتب وتترجم من وإلى اللغات الأربع التي تتقنها. تختار كل الكتب الممنوعة لسبب ديني أو سياسي  فتترجمها.. إنها شجاعة نادرة. فجأة سمع طلق رصاص في الشارع غطى على صوت صافو. لم أخف ذعري من الصوت البغيض.

– إنها الجماعات المسلحة!.. علقت صافو دون كبير اهتمام، وهي تلوح بذراعها دليل تذمر. ثم اعتدلت في جلستها.

– تعودنا على ذلك. كل مرة نسمع الطلقات هنا وهناك. لم يعد يحدث هذا في الأحياء الصعبة المحيطة بباريس، كما تنشره القنوات الإخبارية بل تغلغل أكثر فأكثر في قلب المدينة.

وتضيف صافو بلا اكتراث ظاهر.. إنهم يهددون الناس في مناشيرهم التي تعلوها البسملة، يتركونها على مقاعد المترو، وتحت طاولات المقاهي، وفي المراحيض العامة. يهددون بتدمير متحف اللوفر وجميع التماثيل القائمة في الساحات والحدائق العامة، وإنهم “سينظفون” المدينة من الأصنام، ويحرقون المكتبات وقاعات السينما وكباري “المولان غوج” في البدء، ثم بقية الكباريهات، وسيستعملون المسارح للمحاكمة، ولإعدام بالحرق والذبح والرجم  كل من تخول له نفسه الضالة أن يقاوم شرع الله. ويلقون في نهر السين جميع الكفرة، والمثليين، وغير المتحجبات. ويمحون مظاهر الكفر استعدادا لإقامة الدولة الإسلامية، وسيكون الخليفة فرنسيا قُحا بعد أن يختن، ويعلن إسلامه يزوجونه على سنة الله ورسوله، وسيكون له ما ملكت يده من السبايا السمر والشقر والحمر. ولن يقل الأشقر المختن، المطهر، المنصب خليفة على بلاد الفرنساويين شأنا ولا قيمة من الخليفة المنصب على بلاد الأمريكان، أو خليفة بلاد الروس أو خليفة بلاد الهند أوخليفة بلاد اليابان أو خليفة بلاد الصين وغيرها من الخلفاء الموزعين في بقاع الأرض.

صمتت صافو قليلا ثم مدت يدها إلى  حقيبة بقربها وأخرجت المنشور يطغى عليه اللون الأخضر وكتابات دقيقة خليط من الفرنسية والعربية.

– هذا وجدته بالأمس في مرحاض عام..! وضعتْه على الطاولة دون أن تنظر إلي..

ألقت نظرة خاطفة على الساعة المعلقة على الحائط الحاني، كانت عقاربها تعلن التاسعة.. نهضت بتثاقل تسوي شعرها، تضع مساحيقها ورشتين من عطر شانيل، ثم وهي تلف شالها الأسود أعلى معطفها الأحمر الغامق، دست في حقيبة يدها الكبيرة فستانيْ رقص بألوان زاهية، تزين أطرافهما قطع دائرية صغيرة من معدن أصفر براق لا تكف عن الارتجاف والخشخشة. وضعت ثلاثة ألبومات لمحت على أغلفتها صورة مطربين أتراك مشهورين. اعتذرت صافو بالمغادرة بأن لها موعدا وستضطر للذهاب.

بعفوية تامة قبلتني صافو بودّ على وجهي قُبلتين، ثم فتحت الباب، وقبل أن تخرج التفتت نحوي لتخبرني أنها لن تعود هذا الليلة، وربما الليلة القادمة، وتفضل لو أنني أبقى لأن لديها أشياء كثيرة تريد أن تقولها لي. ثم أغلقت الباب تاركة ابتسامة ودّ خلفها.»

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …

كونغو

فصل من كتاب “كونغو”

الخُبراء هكذا، كل أربعاء، ولمدة شهور، يلتقي كلّ من كورسيل، مالي، بوش، كاسرَوْ، سزشنيي، لامبَرمونت، …