الأربعاء، 17 يوليو 2019

غلق قناة «الوطن»: الجريمة والعقاب!

حادثة تشميع قناة «الوطن»، أمس، أعلنت بداية أزمة جديدة، في علاقة التوجّس التي تجمع بين النّظام من جهة، والمشهد الإعلامي النّاشئ من جهة أخرى، والذي تطوّر، في السّنوات الأربع الماضية، مع ظهور تلفزيونات خاصّة.

إن غلق قناة تلفزيونية، بقرار إداري، يُعيد فتح قوس حول علاقة النّظام بالإعلام، وبارونيا الهيمنة، التي لم تتخلّص منها الذهنية الجزائرية الرّسمية منذ الاستقلال.

ما حدث، أمس، قبيل أيّام من الاحتفال باليوم الوطني للصّحافة، هو موضوع أعقد من مجرد اختصاره في التّساؤل عن ثنائية: من الضّحية ومن الجلاّد؟ بل يجب أن نتساءل، كيف يُعقل أن تسمح وزارة الاتصال لفضائية، كانت تبثّ بشكل منتظم، وتوظّف صحافيين جزائريين، وتقوم بعملها في الدّاخل، أن تنشط لعامين، ثم، فجأة، يأتي أمر بإغلاقها؟ هل وزارة الاتصال لم تكن على علم بالقناة نفسها في السنتين الماضيتين؟ ثم ما المقصود فيما ورد من اتهامات للقناة بأنها «تبث مضامين تحريضية تمسّ برموز الدّولة»؟ هل المقصود منها الكلمات التي وجّهها أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ سابقًا مدني مزراق، لرئيس الجمهورية، في برنامج، بُثّ على القناة نفسها؟ فليتم إذًا استدعاء مدني مزراق أيضا ومساءلته؟ أليس مدني مزراق هو نفسه من مرّ، قبل أشهر قليلة، على بلاطو فضائية جزائرية أخرى، ولم يستحي من الإقرار بماضيه الدّامي؟

من حقّ قناة «الوطن» أن تستضيف من شاءت من شخصيات سياسية أو غير سياسية، واستفزازهم ودفعهم للخوض في القضايا الرّاهنة، وهذا يدخل في باب المنافسة الإعلامية، ومن حقّها أيضا أن تقع في هفوات، فنحن في بلد علاقته حديثة بالإعلام المرئي الحرّ، ثم في حال المساس بالقوانين المنظّمة ووقوع انزلاقات، توجد هيئة رسمية تُدعى «سلطة ضبط السّمعي البصري»، ولها الحقّ في التّدخل وفي ضبط الخطاب الإعلامي، فهل فقدت هذه الهيئة صلاحياتها في قضية غلق قناة «الوطن»؟

اشتعلت، أمس، مواقع التّواصل الاجتماعي، والمواقع الإخبارية، في تفاعلها مع موضوع تشميع القناة ذاتها، وفهم العاملون في قطاع الإعلام، والمقرّبون منه، أن الوضع بات محرجًا، وأن التّعدي على الحريات صار يتمّ بدم بارد، وأن صوت الصّحافي هو أضعف الأصوات في عبثية الوقت الحالي. فوزير الاتصال حميد قرين، ومنذ وصوله إلى المنصب نفسه، ربيع العام الماضي، راح يفرض منطقا، مستوحى من سنوات الحزب الواحد، في تعامله مع الإعلام، ومن حقّنا أن نطرح عليه السّؤال التّالي: ما هو الفرق بين حرية الرّأي والرّقابة؟ فتوقيف قناة عن البثّ لن يكون قطعًا سببًا في وقف الإعلام الحرّ، والقضية الأهم التي كان على الوزير الانتباه إليها هي قضية «أخلاقيات المهنة»، التي لن تتحقّق سوى بتأسيس علاقة ثقة بين الناشطين في الإعلام من جهة، والجهات الرّسمية من جهة أخرى، فقد كان بمقدور الوزير اللجوء لخيارات قانونية قبل الوصول إلى مرحلة «اللاعودة» وغلق قناة تلفزيونية وتسريح صحافييها وعمالها إلى الشّارع.

نحن نتفقّ على أن حرية التّعبير تستوجب تحملا للمسؤولية، وتقبلا للتّبعات، ولكن للحكومة أيضا مسؤوليتها في توفير فضاء صحّي يتطوّر فيه الرّأي ويصير حقًا لا جريمة.

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرمزية

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرّمزية

ما حدث أمس، في الحراك الشّعبي، من صراع بين قوّات الأمن والمتظاهرين السلميين، حول سلالم …