الأحد، 16 يونيو 2019

الجزائريون في متاهة.. الفعالية غائبة

سامية بن عكوش

تُقاس فعالية الفرد بقدرته على تحويل أيّ فكرة تجول في خاطره إلى منتوج ملموس في وقت وجيز. كما إنّ التّفاضل بين فردين، في صفة الفعالية، يستند إلى الوقت الذي يستغرقه الاثنان في إنتاج منتوج ما، سواء أكان المنتوج ماديًا أو فكريًا.

أصبحت الفعالية عتبة ثانية مما يمكن أن يحقّقه الفرد، وقد يحسّنها فتتحوّل إلى كفاءة فأداء عالٍ.

الفاعلية هي أداء الفرد المهمات نفسها باستخدام الوسائل ذاتها وباستغراق المدّة الزمنية نفسها، وقد يرتقي الفرد إلى الفعّالية إن حسّن المدة الزمانية لإنجاز ذلك.

ثمّ إنّ الفرد يكتسب كفاءة إن سخّر قدراته في إنجاز أفضل منتوج مقارنة بأقرانه. وإنّ الأداء العالي هو قدرة الفرد على استخدام أقلّ الوسائل لإنجاز أفضل المنتوجات وفي مدة زمنية أقصر مقارنة بأقرانه. كما إنّ الأداء العالي هو قدرة الفرد على التحسّن باستمرار، فالمدة الزمنية المستغرقة لإنجاز منتوج ما هي المقياس الأهمّ للتّفاضل بين فردين فعّالين. وفي البلدان المتحضّرة يتنافس العمّال لإنجاز منتوج ما بالدقائق، بل بالثواني، ويتمّ التّفاضل بين عامل وآخر بمقياس الثّواني والدّقائق. فيتفوّق العامل اليابانيّ مثلا على الأوروبيّ في سرعة الإنجاز.

تولي الدّول المتحضّرة أهمية للوقت، وتقيس به وعليه فعالية العمّال وكلّ الفاعلين الاجتماعيين في كلّ مجالات الحياة. وإنّ الزمن لدى الغرب مرتبط بالإنتاج. فالزمن الذي يمرّ دون إنجاز، هو زمن بلا معنى. وليس غريبا أنّ العُمر عند الغرب مثلا يحسب بعدد منتوجات الفرد، وليس بعدد السّنين التي انقضت من وجوده في الحياة.«عمرك هو إنجازك!» لدى الغرب. ونجد الدّول المتحضّرة تسعى إلى توفير الشّروط المناسبة لتسريع مدّة ونوعية الإنجاز لدى الفرد. وينبني اهتمام الغرب بتحسين فعّالية الفرد على فلسفة خاصة بالزمن. فمادام الزمن نهرا متدفّقا، يعجز الإنسان عن توقيفه أوالتّحكم فيه؛ فإنّ مهمّة الإنسان هي ملؤه بأكبر عدد ممكن من الإنجازات، والأهمّ من ذلك تقليص الحجم الزمنيّ لإنجاز هذه الإنجازات. فيكون بذلك الزّمن متناغما مع وجود الإنسان وكينونته التي تغدو فعلا متواصلا سائرًا نحو المستقل. وضمن هذه الفلسفة الخاصة بالزمان والكينونة، لا يزال الغرب يستحدث أنجع السّبل وأسرع الوسائل لتحسين علاقة الفرد بمختلف المؤسّسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فتحسين العلاقة بين الفرد ومختلف المؤسّسات من الشّروط الضّامنة لتحسين فعّالية الفرد. فماهو وجه التحسين الذي ما ينفك الغرب يحقّقه في علاقة الفرد بمؤسّساته؟ وما علاقة ذلك بفلسفة الزمن عند الغرب؟ وكيف ساهم غياب هذه الشّروط في نقص فعالية الفرد الجزائريّ؟

الأداء العالي هو قدرة الفرد على استخدام أقلّ الوسائل لإنجاز أفضل المنتوجات

قلنا في مقالنا السّابق: «الجزائريون.. بين ثقافتي الفعل والانفعال» أنّ بناء الفعّالية مهمّة اجتماعية أكثر منها مهمّة فردية. إذ أنّ الفعّالية تصنع في منطقة وسطى بين الفرد والمجتمع، في منطقة العلاقات الاجتماعية والإدارية. فلا يكفي أن يكون الفرد محفّزا لينمى قدراته، ولا يكفي أن يملك الفرد إرادة ليحسّن فعاليته. ويمكن أن نمثّل عن العلاقة بين الفعّالية والفرد وطبيعة العلاقات الاجتماعية وطبيعة الإدارة من جهة، بالشجيرة والتربة والبيئة والمناخ على الترتيب من جهة أخرى.  فقد تتوفّر التربة المناسبة (إرادة الفرد) لغرس الشجيرة (الفعّالية)، لكنّها لا تتوفّر البيئة المناسبة (أجواء العمل) ولا يتوفر المناخ المناسب (إدارة جيدة) لنمو الشّجيرة وتحوّلها إلى شجرة وارفة الظّلال، فمصير الشّجيرة هو الموت. ونذكر في هذا السّياق شطر بيت لزهير بن أبي سلمى: «وهل تنبت في غير منابتها النّخل؟»

إذا واجه الفرد عراقيل إدارية، أو تخبّط في دائرة علاقات اجتماعية غير سليمة، فإنّه سيصرف طاقته وجهده ووقته في الصّراع مع الإدارة أو يتخبّط في دائرة العلاقات الاجتماعية غير السّليمة، مما سيشتّت تركيزه. وبالتّالي يسقط عن المهمة المنوطة به، من مهمة بناء وتحسين فعّاليته، إلى وضعية الصّراع وإجهاد الجسد والفكر وتضييع الوقت في صراعات، كان بالإمكان تجاوزها، لو توفّرت علاقات عمل سليمة وإدارة جيدة. تلعب العلاقات الاجتماعية – إذن – دور الضّامن للفرد كي يصبح فعّالا، لهذا تسعى الدّول التي تريد تصحيح مسارها الحضاريّ إلى إصلاح الإدارة وتوفير الظّروف اللازمة لتطوير الفرد وترقية فعاليته.

التّخبط في الإدارة يشتت تركيز الفرد

بلغ وجه التحسين لعلاقة الفرد الغربيّ بمؤسّساته إلى رقمنة الإدارة. وينبني المسعى على فلسفة خاصة بالزّمن، ذات أبعاد إنسانية واجتماعية واقتصادية، يمكن تلخيصها في اقتصاد الوقت والجهد والمال. فإنجاز المهام الإدارية عن طريق الأنترنيت، يسمح أوّلاً بتسريع مدّة تحقيق الطّلب. وثانيًا يقتصد الطّاقة بتفادي انتقال العامل بسيارته، وثالثًا يتفادى الزّحمة في الطّرقات. ورابعا يضمن راحة المواطنين. وإنّ تجسيد هذه الفلسفة يظهر في عصرنة وسائل النّقل، وتسريعها أكثر فأكثر. ففي فرنسا يستطيع الفرنسيّ السّفر من شمال فرنسا إلى أقصى جنوبها في ظرف 4 ساعات.

سمعنا المسؤولين الجزائريين في الآونة الأخيرة، يتحدّثون عن ضرورة تغيير الجزائريين لذهنياتهم، بالرّغبة في العمل أكثر وإتقانه، للخروج من الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد. وهو كلام جميل يحتاج إلى ضمانات اجتماعية ليتجسّد، من علاقات إدارية سليمة وحضن اجتماعيّ خصب. ولعل عقبة الإدارة هي أكبر معيقات تطوير الفرد وتنميته. ففي حين خطت الدول الغربية خطوات عملاقة نحو تسريع الخدمات الإدارية، بالتوجّه نحو الإدارة الإلكترونية، ليستطيع الفرد تسوية أموره الإدارية من منزله، لازالت الإدارة الجزائرية غارقة في غابة ورق، رغم محاولات الإصلاح التي خضعت لها في السّنوات الأخيرة. ولا زال الفرد الجزائريّ يقف في طوابير طويلة لاستخراج ورقة إدارية أو لدفع فواتيره المختلفة. ولازالت بعض الإدارات تشترط تسليم الملفات الإدارية يدا بيد. فيضطر الفرد إلى حمل ملفاته وجسده والدوران على امتداد جغرافيا الجزائر الشّاسعة، لإيداع ملف في مؤسّسة ما.

عقبة الإدارة هي أكبر معيقات تطوير الفرد وتنميته

ولم تتوقف الشّكوى عند الجزائريين، بل حتى المستثمرون الأجانب يبرّرون ضعف إقبالهم على الاستثمار في الجزائر بسبب بيروقراطية الإدارة، فيجدون أنفسهم في تعاملات بنكية وإدارية صعبة وبطيئة، مما يصرفهم عن التّفكير في الاستثمار بالجزائر. وإنّ أسباب ذلك تعود إلى تخلّف منظومة الإدارة أحيانا وإلى ضعف طاقمها في أحيان أخرى. وإنّ أيّ حديث عن فعّالية الفرد الجزائريّ مؤجّل، مادامت العراقيل توضع في طريقه في دائرة العلاقات الاجتماعية والإدارية. إذ ينفق الجزائريّ القسط الأكبر من وقته في الطابور الإداريّ أو في السّفر عبر طرقات غير مريحة. فحاله أشبه بمن يدخل متاهة بألف مسلك، لا يخرج منها إلاّ بشقّ الأنفس، منهك العقل والجسد.

إنّ تحسين الخدمات الإدارية وتطوير وسائل النّقل شرطان أساسيان لإراحة الفرد الجزائريّ أوّلا، ثمّ بعد ذلك نستطيع الحديث عن علاقات العمل، العامل الأساسيّ لتطوير فعّالية الفرد المنتج. ذاك هو موضوع مقالنا القادم.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم …

الثقافة بصيغة الجمع

  تتعرّض المفاهيم في مجالات الفكر المختلفة للانكماش بعد الاتّساع. لنأخذ مثلاً مفهوم البلاغة، الذي …