الأربعاء، 26 فبراير 2020

سفيتلانا ألكسيفيتش: المعاناة لن تقود الإنسان إلى الحُريّة

سفيتلانا ألكسيفيتش

ثلاثون سنة وخمسة كتب، استطاعت، من خلالها، سفيتلانا ألكسيفيتش أن تحفظ ذاكرة شعب اتّجه نحو القدريّة والحنين. نالت جائزة المكتبيين في ألمانيا، وجائزة ميديسس الفرنسية، عن كتابها: «نهاية رجل أحمر»، توّجت بجائزة «أفضل كتاب للعام» من طرف مجلة «لير» الأدبية.

سفيتلانا ألكسيفيتش حقّقت الكثير من الأمجاد، ومع ذلك، ما يهمّ هذه المرأة الكتومة، هو أنها أنهت ما أطلقت عليه «موسوعة الحقبة السّوفياتية»، وهي عبارة عن مجموعة من الكتب باشرت الاشتغال عليها عام 1985، سعت من خلالها، إلى فهم جذور الشرّ، بمساءلتها لرجال ونساء، لا يمنحهم المؤرخون أبدا الكلمة.

حتى و إن صرّحت أن الغاية من بحثك، هو سرد المشاعر، وليس الحرب نفسها، ولكن الحرب متواجدة في كل مكان في عملك؟

لا نتناول المرّ، سوى مع أسرنا. توفي جدّي في معركة، وقتلت جدّتي من قبل الألمان. لقد قُتل واحد من كل أربعة أشخاص في بيلاروسيا أثناء الحرب، وكانت حركات المقاومة قويّة جدًا. بعد الحرب، كنّا نخاف الذهاب إلى الغابات التي كانت مزروعة بالألغام. كنا نشاهد معطوبي الحرب في كلّ مكان، يتسوّلون، يطلبون صدقة، ذلك لأنهم لم يكن يتقاضون منحة. بقوا على هذا الحال إلى سنة 1960. ثم ماتوا جميعهم. وهكذا أبديت اهتماما مبكّرًا بهؤلاء الذين لم يكترث لهم التاريخ. هؤلاء النّاس الذين كانوا يتحرّكون في العتمة، دون أن يتركوا أثرًا، هم لا يطالبون بشيء على الإطلاق. حكى لي والدي، وجدّتي، قصصًا أكثر مأساوية من تلك التي سجلتها في كتابي. ولعلها كانت الصّدمة التي خلخلت وإلى الأبد طفولتي، ومخيّلتي.

خمسة كتب خلال ثلاثين عاما، آلاف الشّهادات التي قُمت بجمعها، تعرّضت لعدة هجمات على شخصك، وتمّت محاكمتك: كيف استطعت التّعامل مع هكذا أشياء فريدة من نوعها؟

فكّرت في كثير من الأحيان، بأنه لن أمتلك ما يكفي من القوّة، للوصول إلى المبتغى. أتذكّر يومًا، أنني التقيت مع امرأة، أمضت خمسة عشر عامًا، في محتشد عسكري في عهد ستالين، واستمرت رغم ذلك تدافع عنه، وترفعه نحو القمّة، لقد بكيت حقًا. أتذكّر أنني شاهدت شبابًا يعملون في محطة مفاعل تشرنوبيل، بعد وقوع الكارثة، دون حماية خاصّة. أتذكّر المستشفيات الأفغانية، حيث شاهدت بأمّ عيني، الفظائع التي ارتكبها جنودنا. لقد فقدت الوعي عدّة مرات. أنا لست بطلة! كلّ هذه الأصوات لاحقتني. وكأنني كنت مسكونة بالأرواح، استغرق منّي كل هذه السّنوات، لأتجاوز هذا الشّيء. هل كنت مخطئة، وأنا أتصدّى لتلك المغامرة؟اليوم، أشعر بأنني حرّة.
منجزك لا يتّصل بالتّاريخ ولا بالصّحافة. أين تصنفين عملك ؟

في منزلنا، وبين عائلتنا، نتحدّث عن «رواية الأصوات». وهو جنس أدبي استهواني. أليس أداموفيتش من أراني الطّريق، من خلال استخدام الوسائل التي تسمح لي بدخول سرائر الواقع. لا علاقة لها بالصحافة. شعرت بأنني محاصرة من هذه المهنة. الثيمات التي أردت أن أكتب عنها، مثل أسرار الرّوح البشرية، والشرّ، لا تهمّ الصّحف، وبدوري يشكّل الخبر الصّحافي إزعاجًا لي.

تكادي لا تظهري في كتبك، ومع ذلك تقولين أنك «متواطئة»؟

كل نظام مُستبند يستلب الناس. إذا كانت هناك حلقة ضعيفة، الجميع سيستسلم. لذلك نحن جميعا رهائن لذلك النظام. كنت عضوة في «الشّبيبة الشّيوعية»، شأني شأن الجميع. وكنت طالبة، أحلم بإقامة نظام اشتراكي يحمل بعدًا إنسانيًا. ولكن لا أحد كان يتوقّع النتائج التي أسفرتها الأحداث، بما في ذلك غورباتشوف نفسه. كنّا نتصوّر خططا في مطابخنا، كنا سذّجًا. وسرعان ما قام اللصوص بتطويقنا في الشّارع، بعد أن صادروا جميع الثروات.

الاعتقاد في أيام أفضل بعد القبضة الستالينية الفظيعة، أليس تصرّفا طبيعيا؟

التاريخ الروسي عبارة عن مسار تاريخي طويل من المعاناة. أصبح النّاس متعوّدين على هكذا وضع غير طبيعي، وخاصة في بيلاروسيا. كارثة تشرنوبيل على سبيل المثال، لم تؤدّ إلى إنشاء أيّة جمعية كفيلة بالدّفاع عن الضّحايا، ليس أقله ما وقع في أفغانستان. كان هناك لدى جميع الأسر التي التقيت أفرادها، ضحايا للستالينية، ومع ذلك كانت ردود الفعل تتأرجح بين الاعتراف بمعاناة لا تُصدّق، وامتلاك ذهنية الاستعباد. تذكّروا ذلك الرجل الذي قضى سنوات في المحتشد، والذي بعد عودته، تقاسم مكتبه مع مُخبره. كلاهما يعرف ما حدث، لكن الضّحية لم يقل شيئا. فهمت أن المعاناة لن تقود الإنسان للتّطلع إلى الحُريّة.

وكأنّ  كتاب «نهاية رجل أحمر»، بمثابة سلسلة غير منقطعة من الفظائع.

لا قيمة للإنسان عندنا. سنوات التّسعينيات، وانهيار الإمبراطورية، كانت سنوات تصفيّة الحسابات. سنوات ميلاد الوحوش، مثلما كان عليه الحال في المحتشدات، عهد ستالين. ما أدركته من خلال تأليفي لهذا الكتاب، هو أنه ليس هناك كيميائية صافية للشرّ، يخصّ فئات من الأفراد بعينهم. ولكن الشرّ كامن، في جميع أوساط المجتمع.

تضعين أحيانا فظاعة الشيوعي، وفظاعة النازي في المستوى نفسه؟

كان والدي طالبا في كليّة الصحافة، قبل الحرب في مينسك (عاصمة بيلاروسيا). وعندما اندلعت الحرب، كان يدرس في  السّنة الثانية، وطلب الالتحاق بجبهة القتال. وعندما أبلغ أستاذه بعزمه على الالتحاق بالحرب، أجابه: «إن هذه الحرب عبارة عن فاشية تقاتل فاشية أخرى، ولكننا سننتصر، لأن جنودنا لا مطلب لهم». وقد تساءل أبي على محمل الجدّ، إن كان يجب أن يفضح أستاذه، بسبب ذلك تصريح، لكنه غادر بعد وقت قصير، دون أن يفصل في قراره. وقد قال لي في حسرة شديدة، وهو يروي تلك القصة: «لا يمكنك أن تتخيّلي، ماذا فعلوا بنا».

هل تعتقدين أن بوتين هو الشّخص الذي يمكنه أن يعيد لروسيا عظمتها؟

الناس يرون فيه الشخصية، التي تجسّد عظمة اختفت. الشّباب يريدون أن يعيشوا في بلد كبير. عندما أراد البقاء في السلطة، وعد بحمل الأغنياء على الدّفع، ولكنه ما إن تمّ انتخابه، حتى نسي بالطبع وعوده. نجح عن طريق غسيل دماغ على نطاق واسع، على صرف الأنظار، وعلى العنف الممارس على المثليين جنسيا، وعلى مجموعة(الكسّ المنتفض، Pussy riot). نشاهده في صورته المروّجة، وهو يبدو بلباس عسكري، عاري الصّدر، يحمل بندقية في يده، مثل كاريكاتير. اذهبوا إلى مواقع الشّبكات الاجتماعية الروسية، سترون أن الناس لا ينخدعون! ورغم كل ذلك، ورغم نهب ثروات البلاد، وتهريب رؤوس المال، يبدو الروس مستسلمين لقدرهم، يقولون أنهم متعوّدون، وأنهم لا يعرفون السياسيين الشرفاء، إلاّ عندما يصلون إلى سدّة الحكم.

ألم تتخيّلي يوما، أنك ستكتبين عملا خياليا؟

لا يمكن أن نطلب من السّارد إن كان بإمكانه كتابة رواية بأبيات شعرية، «رواية الأصوات»، هو النّوع الأدبي الذي اخترته، والذي سوف أواصل عملي فيه. المواضيع موجودة بكثرة، والشرّ يتّخذ عدّة أشكال! منذ دوستويفسكي، لا أحد يبدو أفضل منه في هذه المسألة. كل هذه الحروب بعد سقوط الإمبراطورية، ولا أحد كان قادرًا على تفسير الحاجة. لقد صرح بذلك دوستويفسكي، عندما قال أنه قضى حياته في البحث عن ما هو موجود من إنسانية، داخل الإنسان. وأجابه شالاموف أنه بعد بضعة أيام يقضيها في المحتشد، تختفي إنسانية الإنسان.

 

ترجمة بوداود عميّر عن مجلة (Le Figaro Littérarire)

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …