الأربعاء، 26 فبراير 2020

نوبلي فاضل بين مطرقة المرض وسندان التهميش

نوبلي فاضل

التحق نوبلي فاضل(1951)، بعالم الفن وعمره لا يتجاوز 16 سنة، حيث انضمّ إلى فرقة موسيقية هاوية بمدينة المشرية ولاية النعامة، حيث كان يتابع دراسته التعليمية، قبل أن يلتحق بالجزائر العاصمة لمواصلة دراسته الجامعية، وهكذا نجح في الحصول على شهادة ليسانس في تخصّص علم النفس، وفي تلك الأثناء نجح في أول تجربة لحنية خاضها من خلال أغنية «يا حنانا» التى غنّاها رشيد منير آنذاك، وسرعان ما عقد العزم على التوجه الى مصر لضمان تكوين موسيقي رفيع المستوى، والسعي إلى الاحتكاك مع أبرز الفنانين، أين قضى خمس سنوات، تعلّم هناك الكثير، واستطاع أن ينجز من خلال ألحان متميّزة، توليفة من الأغاني تمتزج بين الموسيقى الجزائرية والموسيقى الشرقية.
بعد تجربة مصرية دامت خمس سنوات، قرّر العودة إلى الجزائر، أين تمّ تعيينه كملحن تابع للإذاعة الوطنية، وهي تجربة قاسية عاشها في الإذاعة، قال عنها في حسرة، من خلال لقاء حصري، خصّ به جريدة «النصر»، شهر مارس الماضي، قبل أن يصاب بداء فقدان الذاكرة (ألزهايمر): «لقد تمّ فصلي من الإذاعة بطريقة تعسّفية، وأفضّل عدم الحديث في الموضوع كثيرا، خاصة وأنه يؤلمني بشدّة، ويعدّ من أبرز الأسباب المباشرة لمرضي، لقد شعرت بالظلم، ولم أستطع تجاوز الواقعة بسهولة، لا سيّما وأنني لم أفهم الأسباب الحقيقية التي دفعتهم لاتخاذ ذلك القرار، وأترك من قام بذلك لضميره…»

رصيد فني زاخر
يملك الموسيقار نوبلي فاضل، في رصيده الفني، أكثر من 250 لحنا موسيقيا، سجّل منها الديوان الوطني لحقوق المؤلف بالجزائر نحو 180 عملا فنيا، ويُعتبر الملحن الجزائري والمغاربي الوحيد، الذي فرض ألحانه، بجودتها وقيمتها الفنية الراقية، على المشهد الفني العربي، العسير جدا على ولوج أبوابه أمام الملحنين المغاربيين خاصة. وهكذا استطاع أن يلحّن لأبرز المطربين في المغرب والمشرق، وعلى رأسهم المطرب اللبناني الكبير وديع صافي، الى جانب لطفي بوشناق، صوفيا صادق، محمد الحلو، انوشكا، علاء زلزلي، نهاد طربية، سارة فرح…
وعلى سبيل المثال لا الحصر، قام بتلحين أغنية «لأجل عيونك»، لوديع الصافي، وأغنية «عاشقين» للفنانة نهاد طربية، كما لحّن للفنان اللبناني علاء الزلزلي أغنية باللهجة الجزائرية بعنوان «بزاف»، وأيضا للفنانة المصرية أنوشكا، ولم يتوقّف على التلحين للمطربين فقط، بل أنجز موسيقى تصويرية، لعدد من الأفلام الجزائرية المهمّة على غرار: «أبواب الصمت» و «زهرة اللوتس» للمخرج عمار العسكري، و«الطاحونة» لأحمد راشدي.

مع وديع الصافي

تعتبر أغنية «سراييفو» التي لحّنها خصيصاً للمطرب التونسي المعروف لطفي بوشناق، والتي نالت شهرة عربية واسعة، أشهر لحن متميّز له، أبان عن حسّ إنساني مرهف، تجاه القضايا العادلة في العالم، ولعله النجاح الذي دفع بوشناق، الى إعادة التجربة مع الموسيقار الجزائري في مجموعة أخرى من الأغاني الملتزمة، من بينها أغنية مؤثرة، تحمل عنوان «امتى السلام يعود»، حول الموت والدمار الذي عاشته الجزائر في التسعينيات.
قالت عنه الفنانة التونسية صوفية صادق التي غنّت عددًا من الأغاني، التي قام الموسيقار الجزائري بتلحينها لها : «يملك الموسيقار الجزائري القدير نوبلي فاضل، حسّا موسيقيا خاصا به، لا يشبه أحدًا في أسلوبه التلحيني المتميّز، وقد تشرّفت بالتعاون معه في عدة أغان، من بينها أغنية «سعد زماني». وأضافت قائلة : «نوبلي فاضل، فنان متكامل، فهو يجمع بين الثقافة العامّة والتكوين الأكاديمي العالي، وينتمي إلى صفوة النخبة العربية من الموسيقيين، الذين درسوا في جامعة السوربون، عندما كانت هذه الجامعة في عزّ مجدها، وله إحساس موسيقي مرهف يصل إلى الجمهور بسلاسة».
ولا تزال ألحان نوبلي فاضل، إلى الآن، مطلوبة في العالم العربي، مؤخّرا غنّت المطربة السورية الشابة سارة فرح، أغنية من ألحانه بعنوان «يا شقيق الروح» من كلمات الشاعر صفوح شغالة.


بين المرض والتهميش
أخلص نوبلي فاضل للفن حتى على حساب حياته العائلية، إذ لم يسبق له الزواج : وفي هذا الصدد صرح لجريد النصر: «بكل بساطة الفن سلبني حياتي وجرّدني من لقب الأب والزوج طوعا وكرها، الفن كان شغلي الشاغل ولأنني كرّست له كل وقتي نسيت حياتي الشخصية، ولكن تواجد إخوتي إلى جانبي أنساني تلك المرارة بعض الشيء، خاصّة وأنني اعتبر نفسي والد جميع أبنائهم، هم يقدّرونني كثيرا، ويحيطونني ويغمرونني بعطفهم الكبير، وأنا أشكرهم بالمناسبة، لاسيما بعد مرضي، حيث وقفوا إلى جانبي ولم يتركوني أعاني بمفردي… ». حسب عائلته، لا يتقاضى نوبلي فاضل من معاش التقاعد سوى مبلغ مالي زهيد، في حدود: 15000 دج، في حين تتجاوز مصاريف الأدوية والعلاج المتواصل، أضعاف هذا الراتب المؤسف.
لا يزال نوبلي فاضل، يعيش بين أفراد عائلته مُرهقًا، وقد أنهكه المرض، وزاده التهميش المتعمّد تعبًا نفسيًّا، أفقده الذاكرة. في حين تصرف أموال لا حصر لها، من طرف وزارة الثقافة على مهرجانات بائسة، لا طائل يرجى من ورائها، ولم تفكّر مرة واحدة، في تكريم هذا الفنان الكبير، أو على الأقل التكفّل الصّحي بموسيقار قدّم الكثير للأغنية الجزائرية والعربية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …