الإثنين، 26 يونيو 2017

الحراك يشتعل.. الإسلام لم يحرّم المثلية

فرحات عثمان
فرحات عثمان

يدعو الشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور، في فاتحة كتاب «مقاصد الشّريعة الإسلامية»، الذي صدر في الجزائر وتونس، إلى ضرورة إعادة النّظر في مسلمات عدّة من المسائل التي عُدّت غلطًا قطعية، وليست هي من الإسلام لا جملة ولا تفصيلا، إذ لا تعدو أن تكون من رواسب الإسرائيليات فيه التي شوّهت تعاليمه السّمحة.

وعطفًا على رأي فقيه الإسلام بن عاشور، سنتعرّض إلى موضوع حسّاس تهتزّ له تونس اليوم بأكملها، ألا وهو موضوع المثلية؛ إذ لا شك أن الحمّى التي نعاين أيضا عوارضها في المغرب، لن تتأخر في الانتشار واسعا في الجزائر.

لعل الحديث عنها يشحذ همّة السّاسة لاستنباط الحلّ الأفضل للخلاص من تداعيات وخيمة على البلاد والعباد والدّين الإسلامي، الذي تلاعبت به أفكار مقيتة تغلغلت في الأدمغة فأصبح الإسلام من جرائها ظلاميًا بعد أن كان تنويريًا مؤسسا لحضارة عربية أمازيغية إسلامية كوّنت حداثة قبل الحداثة الغربية.

في إبطال المثلية بتونس

إن المتتبع عن كثب للشّأن التّونسي، وهذه حال كل جزائري لعراقة العلاقات بين الشعبين ومتانتها، لتشدّه حيوية المجتمع المدني بها ونضجه، مما يذكّر بما اعتدناه من المجتمع الجزائري إبان الثورة، مع المجتمع الجزائري انغمس، في السّنوات الأخيرة، في سبات عقيم، وقد بادرت السياسة الرسمية إلـى تخديره.

وها هي قراءة خاطئة للدّين تزيد الطّين بلّة وكأن الجزائر لم تعرف خير المعرفة مدى خطورة المدّ الإسلامي المتزمت بما أنها نجحت في التّصدي له طيلة سنوات جمر عاتية. فتحت الرّماد وميض برق تتجاهله السّلط رغم أن له ضرام إن عاجلا وإن آجلا إذا لم يقع اتخاذ الإجراءات اللازمة اليوم قبل غد. وهذه الإجراءات هي التي تبدو تونس قد سبقت إليها ولعلها تنجح في هذه المهمة العسيرة، ألا وهي إبطال تجريم المثلية ببلاد الإسلام.

أقول تبدو، لأنه لا شيء يؤكد ذلك نظرا لتثبث «النّهضة»، الحزب الإسلامي، بفهم ظلامي للإسلام رغم بعض التنويويين فيه، مما يجعل زعيمه راشد الغنوشي يناور تحت الضّغط الأمريكي.

لقد فرضت مؤخرا الجمعية الحديثة العهد بالنشاط الجمعوي «شمس» – واسمها من باب التيّمن بالشّاعر شمس الدين تبريزي، أستاذ جلال الدين الرومي –، فرضت على السياسيين الكلام في موضوع شائك هو «التحاليل الشّرجية» التي تمتهنها السلط القضائية والبوليسية للتدليل على مثلية بعض الشباب.

من مؤتمر جمعية شمس للدّفاع عن حقوق المثليين
من مؤتمر جمعية شمس للدّفاع عن حقوق المثليين

وقد لاقت هذه الحملة النّجاح الواسع بعد أن دعمهتها وسائل الإعلام العالمية، مما اضطر وزير العدل وحقوق الإنسان التونسي، لا إلى الدعوة  إلى إبطال الفصل المجرّم للمثلية بالقانون الجنائي التّونسي، كما تداولته وسائل الإعلام، بل إلى التّفكير في ذلك. وكان هذا أقلّ ما يتوجّب فعله من طرف السّلط التونسية أمام الهبة العنيفة التي خلقتها حملة جمعية «شمس» المدعمة بضغوطات غربية كبرى.

بالنسبة للسلط التونسية، لم يكن كلام الوزير يعني الدّعوة إلى إبطال الفصل 230 الذي له مثيله بالجزائر؛ إنما استغل المجتمع المدني بذكاء كلامه لتمريره على أنه دعوة صريحة؛ وهذا من حسن التّصرف لا محالة ويُحسب  للمجتمع المدني.

مشروع قانون في إبطال كراهة المثلية

إلا أن الأفضل في التّصرف كان يقتضي مواصلة الضّغط على السّلط حتى تقدم أو تتبنى مشروع قانون يبطل الفصل المعني. إلا أن هذا لم يتم إلى الآن، بالرغم من وجود مشروع  في الغرض نفسه، عرضه النّشطاء على مجلس نواب الشّعب وعلى أعلى السّلط بالبلاد منذ اليوم العالمي لمناهضة كراهة (أو رهاب) المثلية، أي شهر ماي الفارط. (الصّورة).

لقد قامت جمعية شمس يوم السّبت الفارط باجتماع شعبي بضاحية المرسي، وهي منطقة معروفة بتعلق أهلها بالفكر الغربي ونمط الحياة الفرنسية خاصّة. وبالنّظر للإمكانات المستعملة، أكيد أنها حصلت على الدّعم المادي الوفير من جهات لا تنشط فقط على ما يبدو في حقل الحقوق والحريات، بل وأيضا ضدّ الإسلام عامة، أي الإسلام كدين، وليس فقط الإسلام المتزمت.

وهذا طبعا غير مقبول بتونس لأنها أولاً دولة مسلمة، دينها الإسلام، كما يبيّن ذلك الدستور؛ ثم إن الإسلام ليس بالدين والشّعائر فقط، إذ هو أيضا دنيا وثقافة وهوية. لذلك لا يمكن بحال غضّ النّظر على تعليماته في موضوع حسّاس كالمثلية، يعتقد العديد من المتزمتين أنه يُخالف تعاليم الإسلام.

هذا الذي يُعاب اليوم بصفة خاصة على الجمعية بعد اجتماع يوم السبت، إذ هي كأغلب الجمعيات الناشطة حاليا في بلاد الإسلام والدّاعية لإبطال كراهة المثلية لا تفعله إلا باسم الحقوق والحريات دون الإشارة إلى الإسلام، بينما الإشارة المتأكدة وواجبة إلى أنه ليس في الإسلام لا تجريم ولا تحريم للواط خلافا للتوراة والإنجيل.

ولا ترى هذه الجمعيات، نظرًا للضّغط الذي يمارسه عليها مموّلوها الغربيون على ما يبدو، في نفسها القدرة على استعمال مثل هذا السّلاح، رغم أنه الوحيد الذي من شأنه تخليص الإسلام مما شابه من دنس «الإسرائيليات»، ماسخا تعاليمه السّمحة.

إلى متى قوانين العار؟
إلى متى قوانين العار؟

تجريم المثلية من الإسرائيليات

هذه هي اليوم حال الحرب القائمة على قدم وساق بتونس؛ فليست هي فقط الحرب على تجريم المثلية، بل هي عند البعض ممن يدعي الحداثة والتغرب، الحرب ضد الإسلام. ولا شك أن هذا مما يضعف حظوظ نجاح قضية المثليين العادلة؛ بل في ذلك المضرّة الكبرى أيضا للإسلام نفسه إذ يشجع على «دوعشة» العقول كما نراه بصفة أوضح بالجزائر الشّقيقة والمغرب وعموم البلاد الإسلامية حيث لم يعد هنالك مكان للإسلام الصّحيح، ولم نعد نرى إلا إسلام الإسرائيليات.

أقام مسلمون، باسم الإسرائيليات التي تغلغلت بسرعة في ديننا فشوّهته، الكنيسة والبيعة تدعيما لما ليس من الإسلام أصلاً، كتحريم المثلية. فمثل هذه التّحريم الذي نجده اليوم بفقه أكل عليه الدّهر وشرب، ليس إلا من استنباط فقهاء كان أغلبهم من غير العرب العارفين بلغة الإسلام واتساع العربية القحة وأخذها بحريات العربي، الذي مثاله في التثبث بالحرية إلى حدّ التّهيج مثال الأمازيغي، وهو الرّجل الحر، ذلك لأن حملة العلم في الإسلام كانوا من «الموالي»(من غير العرب) كما بيّنه منذ أمدّ العلامة ابن خلدون.

فالحقيقة التي لا مراء فيها هي أنه لا يوجد في القرآن إلا القصص في موضوع قوم لوط، أي التّذكير بما كان متواجدًا ومعروفًا بالتوراة والإنجيل مما لم يقره الإسلام الذي جاء مهيمنا على ما سبق بصفته خاتم الأديان.

وقد كان الشّعب في بلاد الإسلام والنّخب، ومنها الفقهاء وعدد من القضاة وأعيان القضاة، على غرار يحي بن أكثم، قاضي قضاة العباسيين، لا يتعاطون فقط الجنس المثلي، بل ويتغنّون به في ما سمي بالمذكرّات.

وهناك من يقول، كالشيخ عبد الحميد كشك، أن الجنس المثلي متواجد بالجنّة حيث الغلمان والولدان، تماما مثل الخمرة التي نعلم الآن أنها غير محرّمة، إذ الإسلام الصّحيح لا يُحرم إلا السَّكَر. مع العلم أن كتاب الشيخ عبد الحميد كشك وافقت على صحّته، وبعدم مخالفته للإسلام، هيئة دينية بمصر، وذلك بعد أن منع من التّداول مدّة من الزّمن.

إن الإسلام، في علميته وعالميته، اعتبر المثلية من الفطرة البشرية، فلم يحرمها ولم يجرمها؛ لا في «صحيح البخاري» ولا في «صحيح مسلم»، وهما من أصحّ الصّحاح؛ أما ما يستشهد به البعض ممن ساءت نيّته مدعيا التّحريم باسم الرسول الأكرم، فلا يسوّق إلا أحاديث منحولة، لا صحّة تامّة لها؛ والصّحة عندنا في ما اتفق عليه الشّيخان.

الإسلام اعتبر المثلية من الفطرة البشرية
الإسلام اعتبر المثلية من الفطرة البشرية

علمية موقف الإسلام من المثلية

من المتفّق عليه عند أهل الإسلام الصّحيح أن الحلية في الفقه الإسلامي هي القاعدة، فلا تحريم بدون حكم صريح. وليس هذا بالغريب في ديننا السّمح المتسامح، في موضوع المثلية.

فقد رأينا مثلا المنظمة العالمية للصّحة انتظرت السّنوات الثمانين من القرن الماضي لحذف المثلية من قائمة الأمراض. كما كانت أغلب البلاد الغربية تجرّمها باسم دينها المسيحي بينما كانت العادات الشعبية في بلاد الإسلام لا تستحي من الجنس المثلي (أو المماثل كما أُخيّر نعته بتعبير أصحّ)، معتمدة في ذلك على قراءة إسلامية صحيحة لدينها، هي قراءة أهل التّصوف، الإسلام الوحيد الآخذ حقًا بتعاليم الدين الحنيف.

لذا، حان الأوان لتحيين فقهنا والعودة للإسلام الصّحيح كما هو عند فقهاء الصّوفية الأجلاء، الذين عرّفهم تلميذ ابن حنبل نفسه، ابن تيمية، وقد تتلمذ أستاذه على أيدي بعض منهم، ونعتهم  ﺑ «صوفية الحقائق«.

تجريم المثلية تركة الاستعمار الفرنسي

لم يتم تجريم المثلية بدول المغرب الأمازيغي العربي، بصفة رسمية، إلا تحت ظلّ الاستعمار الفرنسي، بتعلة الأخذ بالإسلام، بينما الأصل في ذلك كانت الأخلاقيات اليهودية المسيحية.

فمن المعلوم أن الاحتلال الفرنسي لم يبطل قانونه الدّاخلي المجرم للمثلية إلا سنة 1982، وهو المماثل لقوانين المغرب الحالية التي تركها وراءه باسم الإسلام بينما الإسلام منها بريء.

فالفصل 230 في تونس أو في الجزائر، الفصل 333، وكما هو الحال بالنسبة للفصل 489 بالمملكة المغربية، من القوانين العقابية، المجرّمة للمثلية، هي من تركة الاستعمار.

ولعله من المضحك المبكي أن تتمسك دولنا اليوم، وخاصة الجزائر التي تفتخر بنضالها المستميت ضد الاحتلال الفرنسي، وكل احتلال مقيت، بقوانين أدخلها الاستعمار عنوة منظومتها القانونية، وغرسها غرسا في الأدمغة، رغم مخالفتها للعادات الشّعبية.

فالجنس الشّعبي، عربيا كان أو أمازيغيا، تمامي النزعة، لا يفرق بين الذّكر والأنثى ولا يرى فيه أيّ عار ولا إثم؛ وقد كان الحال كذلك في الإسلام الأول، ولم تحرم المثلية فيه إلا من طرف بعض فقهاء الرسم، وبعد عهد الخليفة عمر، الذي رغم شدّته كان لا ينصح إلا بعدم مجالسة من يتعاطى عمل قوم لوط، كما ورد في حديث لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في كتاب «كنز العمال».

وقد أورد العديد ممن عرف بلاد المغرب، تحت الاحتلال، مثل هذه الحرية وشنع بها باسم الأخلاقية اليهودية المسيحية التي نجدها اليوم عند المتمزتين من المسلمين، الذين يأخذون في هذا الأمر  بالإسرائيليات لا بالإسلام.

لم يتم تجريم المثلية بدول المغرب الأمازيغي العربي إلا تحت ظلّ الاستعمار الفرنسي
لم يتم تجريم المثلية بدول المغرب الأمازيغي العربي إلا تحت ظلّ الاستعمار الفرنسي

إسلام ما بعد الحداثة وحلية المثلية

كل ما سبق يبيّن أن الإسلام كان حداثة قبل الحداثة الغربية؛ لذلك لا يمكن له اليوم إلا أن يكون إسلام ما بعد الحداثة، وهو هذا الدّين الرّوحاني، العلمي والعالمي في ثقافيته؛ فلا محيص إذن من رفع شناعة ما تأتي به وباسمه الداعشية، ومن التّعلق مجددًا بسماحته وإنسانيته، وذلك برفع كل ما يشينه من إسرائيليات في قوانينيا، كما يسعى إلى ذلك المجتمع المدني بتونس وأيضا بالجزائر والمغرب.

فمن المستحب أن تبادر السّلط العمومية إلى تحيين قوانينها من كل ما يشينها، خاصّة وأن العديد من  الجمعيات النشيطة في ميدان إبطال تجريم المثلية تجد نفسها مضطرة للإساءة عن غير قصد للإسلام، إذ لا يسمح لها ومن يساندها من جمعيات حقوق الإنسان بالغرب التذكير – رغم أن ذلك واجبها وأفضل الوسائل لإبطال كراهة المثلية ببلاد الإسلام – بأن هذا يتم خدمة، لا فقط للحقوق والحريات في بلداننا، بل وأيضا للتّماهي مع عادات شعوبنا وخاصة احترام الإسلام الصّحيح، لا الإسلام الدّاعشي الذي يهدد صرح ديننا.

إن الحقيقة التي لا مراء فيها في زمن ما بعد الحداثة الذي أظلنا، هي أن قوانينيا اليوم في موضوع المثلية، سواء بتونس أو المغرب أو الجزائر، كلّها من رواسب الإسرائيليات وعهد الاستعمار؛ فليس فيها مثقال حبة خردل من الإسلام الصّحيح، ولا من روحه ومقاصده.

وطبعا، فإن عموم الجماهير لا تصرح بحقيقة رأيها في المثلية لخوفها من تسلط القوانين الجائرة وعنف تلك الفئة القليلة الظالمة وإجرامها. مع العلم أن  الجنس العربي والأمازيغي بمغربنا الكبير تمامي، لا فرق فيه بين ذكر وأنثى، وذلك تماما كما هو في الطبيعة بصفة عامة؛ فليس فيه أي مخالفة للدّين الذي لا حياء فيه ولا رفض للحياة، إذ في الجنس الحياة كلها، والحياة لهي الحيوان!

قوانينيا في موضوع المثلية كلّها من رواسب الإسرائيليات وعهد الاستعمار
قوانينيا في موضوع المثلية كلّها من رواسب الإسرائيليات وعهد الاستعمار

متى تبادر الجزائر برفع تجريم المثلية؟

إن حنكة أهل السّياسة بالجزائر لتحتم عليهم اليوم المبادرة برفع تجريم المثلية، ليُفتح الباب على مصراعيه لبقية الدول المغاربية والإسلامية، لما فيه الخير كلّه للإسلام.

لذا، من صالح الإسلام أن يسعى أهل السياسة بالجزائر حثيثا للتصدي لمثل هذه الإساءة لدين الإسلام؛ ولا حيلة في ذلك إلا بالمبادرة التشريعية  القاضية بالرفع من المنظومة القانونية لهذا النموذج الحيّ من المسخ لهوية المسلم ودينه، المتمثّل في تحريم المثلية، بعد أن ثبت ووقع التدليل على أنه لا تحريم ولا تجريم في الإسلام لما يسمى باللواط؛ ولا لواط في الإسلام !

لتبادر الجزائر إذن، باسم احترام الإسلام، بإلغاء  الفصل 333 والفصل 338 من قانونها الجنائي لأنهما من رواسب الإسرائيليات! ولتستعمل لهذا مثلا مشروع القانون المتكامل المعروض بتونس (الصّورة أعلاه) مع تغيير عدد الفصل بوضع الفصلين الجزائريين موضع الفصل التونسي 230.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الصّحافة المستقلّة.. تحت الضّغط!

مع الذّكرى السّابعة لميلاد صحيفة “الخبر الرّياضي”، عاد السؤال: من يخاف من الصّحافة المستقّلة في …

اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية.. كيف لا يحتفل الإسلام به وهو دين العدل؟

اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية.. كيف لا يحتفل الإسلام به وهو دين العدل؟

يحتفل العالم أجمع في السّابع عشر من ماي، من كلّ سنة، باليوم العالمي لمناهضة رهاب …