الخميس، 27 فبراير 2020

الإسبانية في الجزائر وخرافات الغرب

رشيد فيلالي

1

كنت إلى وقت قريب أتصوّر، على غرار الكثيرين، بأن اللهجة الجزائرية تطغى عليها الكلمات الفرنسية أكثر من أي لغة أخرى، غير أن الدّارس المتمعن قد يفاجأ بأن اللغة الإسبانية لها حضورها الطّاغي أيضا في اللهجة العامية الجزائرية، والتي هي في الحقيقة – اللهجة العامية الجزائرية – عبارة عن خليط هجين من عدّة لغات سامية وهندوأوروبية وغيرها.

ويزعم البعض أن اللهجات المستعملة في مدن غرب الجزائر هي التي تحتوي على أكبر عدد من الكلمات الإسبانية، بحكم القرب من الجزيرة الإيبيرية، لكن الحقيقة غير ذلك تماما، حيث تكثر الكلمات الإسبانية في عموم اللهجات العامية الجزائرية المنتشرة والمستعملة بعدة مناطق عبر الوطن، بما فيها منطقة الجنوب، ونقول ذلك مع علمنا بأن ما يزيد عن 10 في المائة من القاموس الإسباني أصله عربي، وهو ما يفسر طبيعة هذا التّبادل في التّأثير والتّأثر اللساني الذي يعود في الأساس إلى ظروف تاريخية معروفة ليس هنا مجال التّفصيل فيها.

وعلى سبيل المثال فقط فإن من الكلمات الإسبانية المستعملة بكثرة في حياتنا اليومية نجد: كبوسة (قبعة) وهي في الإسبانية تعني الرّأس وتنطق كابيسا(Cabeza)، والغايطة(الناي) واللوبيا(فاصولياء)، الذي يعتبر من أشهر الأطباق في الشّرق الجزائري، والبانيو الذي يُطلق على وعاء كبير الحجم يستعمل في ملء الماء والغسيل، والكلمة الإسبانية تدلّ وبنفس النطق على الحمام(baño) أو التواليت، وفي ذلك تقارب دلالي لا يخفى على اللبيب، ويمكن تقديم في هذا السياق كلمات أخرى عديدة أصلها إسباني وتستعمل في لهجتنا الجزائرية تقريبا بالمدلول نفسه، وعددها في الواقع إذا أجرينا جردا سريعا لها لا يقل عن الكلمات الفرنسية رغم كل ما بذله الاستعمار من قوة وبطش لفرض لغته على الجزائريين، طوال عشرات السنين.. فتأمل.

كلمة اللوبيا أصلها إسباني

2

هل نصدّق أن كلمة الأحمق الفرنسية (crétin) مشتقة من كلمة (المسيحي chrétien)، والسّبب في ذلك أن الشّخص الأحمق أو الأبله يبدو بريئا وساذجًا والمسيحي يتميّز في عرف أتباع هذه الديانة بهذه الصّفة المحببة قديمًا.

وهناك أسماء عديدة عندما نتحرى عن جذورها ومعانيها نعجب فعلا من تطورها وتغيّرها، حيث على سبيل المثال نجد اسم «توماس، Thomas» يعود إلى الأصل السّامي (العبري والعربي) وهو يعني «التوأم!»، وهل نصدّق أن الاسم التّجاري لشركة صناعة السيارات الفرنسية «رونو» هو في الأصل ماركة ألمانية وتعني (ragin + wald) أي تقريبا «المجلس الحاكم».

وللدكتور إبراهيم السّامرائي في كتابه «فقه اللغة المقارن» دراسة ممتعة حول أسماء الأعلام، وقد أشار في معرض هذا الكتاب على أن الكثير من العائلات المسيحية في منطقة الشّام كانت تسمي أبناءها بأسماء إسلامية سواء تحببا أو دفعا للطيرة ولكي يعيش أبناؤها، و الشّيء نفسه بالنسبة للعائلات المسلمة، التي تتخذ لأبنائها أسماء مسيحية للغرض نفسه، والطّريف في الأمر أن بعض العائلات الشيعية في العراق تسمي بناتها بعائشة رغم موقفها المعروف من زوجة الرسول صل الله عليه وسلم وذلك لكي تعيش بناتها وتعمر طويلا، ولكن ثمة بعض الأسماء الغريبة جدا التي تتخذها عائلات أخرى في العراق (وفي العالم العربي ككلّ) للسبب ذاته، حيث ذكر الدكتور السمرائي أسماء من شاكلة «قنيبلة» أي القنبلة الصغيرة! وبلاسم وهذا الاسم الأخير، لا يعني جمع بلسم أي الدواء والترياق، بل يعني «بدون اسم!»، وفي الجزائر نجد اسم «المطيش» أي المرمي والمرفوض المنبوذ، وقس على ذلك الكثير من الأسماء المثيرة التي كثيرًا ما نصادفها ونعجب من سبب اختيار الآباء لها، رغم ما تحمله من شذوذ شنيع أحيانا.. فتأمل.

غلاف «فقه اللغة المقارن»

3

رغم أن المجتمع الغربي تحرّر عقليا وصار أقلّ انسياقا خلف النّزعات الخرافية على غرار المجتمعات البدائية، إلا أن الواقع يكشف عن حقائق مغايرة تماما، بل أن الإنسان الغربي لا يزال رهينة بعض المعتقدات الخرافية إلى درجة تدخلها في سير حياته اليومية وحتى اتخاذ قرارات مصيرية، ومن يدخل عالم البزنسة والماركوتينغ يتأكّد مباشرة من هذه الحقيقة الغريبة، وعلى سبيل المثال فإن التشاؤم بيوم الجمعة 13 يتسبّب سنويا في خسارة تقدّر ما بين 800 إلى 900 مليون دولار سنويا في الولايات المتحدة، والسّبب تخلي العمال عن أداء عملهم في هذا اليوم، وفي المقابل نجد في البلد نفسه أن رقم 7 الذي يجلب الحظّ جعل يوم 7/7/2007 يسجل به 31 ألف زفاف، مقابل تسجيل 12 ألف فقط في مناسبات عادية، ولعل كثيرون لاحظوا أن الألعاب الأولمبية الصينية اختير لها موعد غريب وهو 8/8/2008 والانطلاق في السّاعة الثامنة والسبب وراء هذا الاختيار أن رقم ثمانية يعتبر جالبا للحظ في الصّين (واليابان أيضا!)، عكس رقم أربعة، الذي ينطق مثلما تنطق كلمة«الموت».

وعلى الصعيد ذاته نجد أن 74 في المائة من الأمريكيين يؤمنون بالتنجيم والأبراج ونصف البريطانيين لهم معتقدات خرافية في مقابل 30 في المائة من الفرنسيين، غير أن كلّ المجتمعات الغربية أسيرة تقريبا مجموعة من المعتقدات الخرافية المتشابهة، على غرار التشاؤم من القطّ الأسود وعدم المرور تحت سلم وفتح مطارية داخل المنزل والمرآة المكسورة وعدم منح هدية لطفل لم يولد بعد ورقم 13، في حين أن رقم 7 والزهرة ذات الأربع أوراق وعقد السبابة والوسطى تمثل جالبات الحظّ والتفاؤل.. فتأمل.

الغرب ما زال يؤمن بالتّنجيم

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …