الجمعة، 20 سبتمبر 2019

الطّاهر بن جلون ﻟ «نفحة»: هذه هي الجزائر التي في بالي

الطّاهر بن جلون

تصريحات الرّوائي الطّاهر بن جلون لا تمرّ من دون إثارة جدل، فقد تعوّد صاحب «ليلة القدر» على التزام الحيّاد في رواياته، وتأجيج ردود في مقالاته وخرجاته الإعلامية، ومنذ حوالي شهرين، طفا اسمه في مواقع جزائريّة، بسبب مقال كتبه، وصفه البعض ﺒ «المُسيء للجزائر»، وكان الرّجل نفسه العام الماضي، محلّ انتقادات جزائرية أيضا بسبب عدم تصويته لصالح رواية كمال داود، في الدّور الأخير من جائزة «غونكور»، مما حرم صاحب «ميرسو، تحقيق مضاد» الجائزة الأهم، في الفضاء الفرنكفوني، ولكن بن جلون نفسه كان أول من بشّر، هذا الصّيف، برواية «2084.. نهاية العام» للجزائري الآخر بوعلام صنصال، وعبّر عن انحيازه لها، وفي هذا المقابلة مع «نفحة»، يتحدّث الطّاهر بن جلون (1944) عن علاقته المرتبكة مع الجزائر، عن كتاباته الصّحافية «المستفزّة» وعن صلته بكُتّاب جزائريين ونظرته لهم.

عنف رواية صنصال وجرأتها

الطّاهر بن جلون عضو في أكاديمية غونكور، وطرف فاعل ومؤثّر في الجائزة نفسها، وتأثيره في الخيارات لا يخفى على أحد، بالإضافة إلى قربه من دار النشر «غاليمار»، وقد كان من أوائل من قرأوا رواية بوعلام صنصال الأخيرة، التي يتحدّث عنها: «أوّل رواية قرأتها قبيل الدّخول الأدبي هي (2084) لبوعلام صنصال. وهو كاتب أتابع أعماله منذ بداياته. لقد قرأت الرّواية نفسها كمخطوط مطلع جوان الماضي». وقد ترك المخطوط في ذهن الكاتب انطباعًا إيجابيًا، يعبّر عنه: «ما شدّني إلى الرّواية هي قوّتها، عنفها، سعة خيالها، وجرأتها». ولفت انتباهه أيضا ثيمة الرّواية، التي تصوّر عالمًا يترنح بين كفيّ قوى ظلامية، في أمبراطوية تسمى «أبيستان»، يحكمها قائد/ نبي يُدعى أبي، أرسله إله يُسمى «يولا».

رواية بوعلام صنصال ذكّرت الطّاهر بن جلون برواية أخرى، صدرت العام الماضي، ونالت جائزة «أحمدو كوروما»، وقرأها مؤخّرًا فقط، هي «أرض مطوّقة» للسينغالي محمد مبوغار سار (25 سنة). ويضيف: «هي رواية تتناول الموضوع نفسه. غير أن الكاتب السينغالي وضع فصولها في ديكور تتقاطع فيه كلّ من دولتي مالي والسينغال. كما أن خطابه توجّه مباشرة للإسلام، فالروايتان تهدفان للشّيء نفسه: تقديم شهادة عن الرّاهن»، ولكن صنصال كان أكثر ذكاءً من الكاتب الآخر، وتقاطعه مع جورج أورويل (في العنوان والمحتوى) يلعب لصالحه، بحسب بن جلون.

ولكن ما هي حظوظ صنصال في غونكور هذا العام؟ هو سؤال مشروع، بحكم التّهافت، غير المسبوق، الذي عرفته الرّواية، فلأوّل مرّة، تحقّق رواية مغاربية اكتساحا في غالبية الجوائز الأدبية لموسم الخريف، ويأتي ردّ بن جلون متملصًا ومهادنًا: «أكاديمية غونكور تتشكّل من عشرة أعضاء. ويحكم بينهم مبدأ الديمقراطية، وهم يتناقشون ويقرأون الرّوايات المرشّحة» ويضيف: «أنا أحببت هذه الرّواية.. وحتى وإن كنت أعرف حظوظها فسألتزم مبدأ التّحفظ!»

 حلم المغرب الكبير الموحّد!

العالم المظلم الذي كتب عنه صنصال في روايته يراه صاحب «تلك العتمة الباهرة» يتمدّد، في الشرّق وفي الغرب، ويقف حاجزًا نحو تحقيق حلمه بأن يشهد «مغربًا كبيرًا موحّدًا»، وهو أمر مستبعد، على الأقل خلال العقود القليلة القادمة، والسّبب في رأيه هو: الجزائر، هكذا هو بن جلون دائما، ينظر إلى الجزائر باعتبارها عدوًّا دائمًا لمشروع الوحدة المغاربية، ولا يُسائل، في الوقت نفسه، عن المواقف المماثلة التي تبدر، بلا سبب أحيانًا، عن القصر الملكي في المغرب. وقبل حوالي شهرين وقّع مقالا، في موقع إخباري مغربي، بعنوان «الجزائر – المغرب: الخسارة الكبرى»، وصل صداه مواقع التّواصل الاجتماعي في الجزائر، وصحفها، مما حرّك حملة غضب واسعة ضدّ الرّجل، يردّ عليها: «كلّما ذكرت اسم الجزائر في واحد من مقالاتي يتحرّك نظام كامل، من أجل شتمي والطّعن في شخصي». ويضيف: «أعرف أن الجهات الجزائرية حسّاسة وترد سريعا على كلّ الانتقادات، مع أني في المقال المذكور اعتمدت على مقولات لكمال داود وبوعلام صنصال». وبن جلون لا يملّ من تكرار الجراح التي لم تندمل بين الجزائر والمغرب، بسبب غلق الحدود البرية بين البلدين منذ 1994. «من المؤسف أن نجد شعبين، قريبين من بعضهما البعض، ولا يلتقيان» يعلّق.

مع ذلك فهو يحمل أملاً بأن يعاد تصليح أخطاء ما مضى، ويتحقّق تقارب مغاربي، «سيكون بمثابة ردّ على «مؤامرات» دول، لا تحبّ أن ترى المغرب العربي متحدًّا ومتطوّرًا اقتصاديًا».

كمال داود

 «انتقام» كمال داود

كمال داود، الذي استشهد بن جلون بمقاطع له في مقاله المثير للجدل، لم يحظ بصوت الرّوائي المغربي، الخريف الماضي، في الدّور الأخير من التّصويت في «الغونكور»، ومنح بن جلون صوته للكاتبة لايدي سالفاير، وعاقب بالتالي كمال داود والسّبب: «أعجبتني رواية كمال داود، ولكن مؤاخذاتي عليها – وهو ما قلته له بشكل مباشر – أنه قام بإعادة مشهد قتل مجاني لفرنسي، في الرواية نفسها، تحت ضغط الأمّ. أخبرته بأن لا يتخندق في الانتقام». برأيي الطّاهر، مشهد الانتقام الذي ورد في الرّواية كلّف صاحبها كثيرًا، عدا هذه الملاحظة فقد كان انطباع بن جلون إيجابيا حول رواية داود، ويضيف: «بفضل أكاديمية غونكور، صار له حضور، وننتظر روايته القادمة».

بين الجزائر وكتّاب الجزائر

حين خسر كمال داود الجائزة، صرّح بحسرة: «لقد ضيّعت الغونكور فرصة للانفتاح على المغرب الكبير»، فمنذ عام 1987، وتتويج بن جلون نفسه بالجائزة، لم نشاهد كاتبا مغاربيا واحدًا يصّل أدوارًا متقدّمة في الجائزة نفسها، وأصابع الاتهام تتجّه، في السّنوات الأخيرة، لبن جلون، بحيث يتّهمه البعض بأنه يميل لإقصاء كتّاب جزائريين، ويدافع الكاتب عن موقفه: «لقد كوّنت نفسي من خلال روايات كاتب ياسين ومحمد ديب وآسيا جبار ومولود معمري. وأحاول أن أقرأ، قدر المستطاع، كلّ ما ينشر. وليس لأني في خلاف مع سياسة الدولة الجزائرية، حول مستقبل المغرب الكبير، أقوم بنقل خصوماتي تجاه الكتّاب الجزائريين. فأنا أقرّ بأن الأدب الجزائري يشكّل جزءًا من التّراث الأدبي العالمي». هي كلمات إيجابية من بن جلون، الذي يودّ زيارة الجزائر «في حال خفّت حدّة مشاعر العداء»، ولكن، قبل ذلك: هل سيقف إلى جانب صنصال، لنيل الغونكور، ويصحّح شيئا من صورته في عقول الجزائريين؟

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …