الجمعة، 23 أغسطس 2019

الجزائريون.. بين ثقافتي الفعل والانفعال

سامية بن عكوش

تمثّل الفعالية الصّفة الجوهرية الفاصلة بين المجتمع المتحضّر والمجتمع المتخلّف، حسب مالك بن نبي.

إنّ الفعالية بالمنظور المالكيّ هي قدرة الفرد على تحويل فكرة ما تجول في خاطره إلى إنتاج ملموس في ظرف زمنيّ قصير. وإنّ الفعالية مرتبطة بالفكر العمليّ البراغماتيّ، لهذا نجد بن نبي يصف حال المجتمعات الإسلامية بقوله: «إنّنا حالمون ينقصنا الفكر العمليّ»، ويلّح بن نبي في جلّ كتاباته على هذه الصّفة الأساسية الفاصلة بين وضعيتي التخلّف والتحضر. ذلك ما نتوقف عنده في عناصر معادلة الحضارة التي صاغها بن نبي(الحضارة = إنسان + وقت + تراب).

الإنسان الفعّال هو من يصنع منتوجات الحضارة كما أنّ منتوجات الحضارة يصنعها الإنسان باحترام المدّة الزمنية اللازمة، لا أقلّ ولا أكثر. كما أنّ الفعالية تتجلّى في قدرته على تحويل محتويات حيّز جغرافيّ ما إلى منتوجات إبداعية. ونستطيع أن نلخص المعادلة السّابقة في كلمة الفعالية التي تجعل العناصر السّابقة (إنسان ووقت وتراب) متفاعلة بشكل إيجابيّ لصناعة مركب الحضارة. وإذا لم يتوفر التفاعل الإيجابيّ بين العناصر فلا ينتج غير التكديس لمنتوجات الحضارة. ففي غياب هذه الصفة يستحيل تحقيق المعادلة السّابقة، مثلما أنّ  تكديس ذرات الأوكسجين والهيدروجين لا يكفي لصناعة الماء حسب بن نبي.

فما حظّ الجزائريين عمالا وأساتذة وساسة ومسؤولين من هذه الصّفة؟ وكيف نرفع من مستوى الفعالية لدى الفرد الجزائريّ؟

إنّ الفعالية حسب بن نبي تصنع في المنطقة الوسطى بين الفرد والمجتمع، أي في منطقة العلاقات الإنتاجية والإدارية الرّابطة للفرد بالمجتمع، فصناعة الفعالية لا تتعلّق بمهمة فردية بقدر ما تتعلّق بمهمّة اجتماعية. فمن الصّعب أن يصنع ويطوّر الفرد فعاليته في مجتمع متخلّف، كما أنّه من النّادر أن يكون الفرد غير فعّال في مجتمع متحضّر. ويمكن تلخيص وجهة نظر بن نبي حول هذا التّلازم المنطقيّ بهذا الشّكل: فرد فعّال – مجتمع متحضّر/ فرد غير فعّال – مجتمع متخلّف.

في المنطقة الوسطى بين الفرد والمجتمع، منطقة العلاقات الإنتاجية والإدارية، تُصنع الفعالية وتطوّر في المجتمعات الغربية بتقليص المدة الزمنية لأداء عمل ما أو لتجسيد فكرة ما، من فترة إلى أخرى.  فالفعالية متعلقة بالبيئة الاجتماعية كاملة، أي بالثقافة بمعناها الذي طرحناه في مقالنا «الثقافة بصيغة الجمع». وإذا أردنا أن نفهم فعالية الفرد من عدمه فعلينا أن نحفر في الثقافة التي شكّلت هذا الفرد وورثها اجتماعيًا من أسلافه. لأنّ القيّم الثقافية موروث اجتماعيّ، تنتقل من الأجداد إلى الآباء فالأبناء، من جيل إلى آخر؛ مثلما تنتقل المورثات الجينية عبر سلاسل وراثية طويلة إلى كلّ أفراد شجرة النّسب.

مالك بن نبي في وسط الصورة

إنّ الفعالية لدى الفرد العامل متعلّقة بثقافة الفعل، وإنّ نقص الفعالية متعلّقة بثقافة الانفعال. وإنّ ثقافة الانفعال تتغذّى من التّبرير والاحتجاج والثرثرة والمطالبة بالحقوق أكثر من القيام بالواجبات؛ بينما تتغذى ثقافة الفعل من النّقد المتواصل للذّات والعمل المتواصل وتغليب الأفعال على الأقوال والقيام بالواجبات قبل المطالبة بالحقوق. وليس أدلّ على هذا الاختلاف من قصّة أوردها مالك بن نبي في كتابه «شروط النّهضة» عن طبيبين جزائريين، مسلم و آخر يهوديّ. تخرّج الاثنان أثناء الفترة الاستعمارية من كلّية الطب بجامعة الجزائر العاصمة، وكان تقدير الطبيب المسلم أكبر من تقدير الطبيب اليهوديّ. فماذا صنع الاثنان بشهادتهما؟

طبّقت فرنسا في أربعينيات القرن الماضي على اليهود، في ظلّ حكومة فيشي القريبة من النّازية، جملة قوانين عنصرية، وفي الجزائر نصت القوانين على منع اليهود الجزائريين من مزاولة الدّراسة أو التدريس في المدارس الفرنسية. فما كان من اليهوديّ سوى تحويل منزله إلى مدرسة لتعليم أطفال اليهود، وتحويل ذاته إلى مُعلّم. أما الآخر فصرف وقته في تنظيم المظاهرات للمطالبة بحقّ باقي الجزائريين في التّعليم. ولأنّ القوانين تتغيّر، فإنّ فرنسا ألغت القانون في عام 1948، والنتيجة: وجد اليهود أنفسهم على الدرجة نفسها من التحصيل العلميّ مع غيرهم من مرتادي المدارس الفرنسية في فترة تطبيق القانون السّابق.

صرف اليهوديّ وقته في العمل والفعل، بينما صرف المسلم وقته في الشّكوى والاحتجاج كما يقول بن نبي. والفرق بين السّلوكين المتباينتين هو الفرق بين ثقافة الفعل وثقافة الانفعال. فمن أين ورثنا اجتماعيا الانفعال؟

إنّها وراثة اجتماعية من إنسان ما بعد الموحدين. وقد طبع عصر ما بعد الموحدين شخصية الإنسان الجزائريّ بسماته: انتشار الفكر السّحريّ وكثرة الزوايا والخرافات وضعف الإرادات. فصنع هذا العصر إنسان ما بعد الموحدين بالتركيبة الثقافية والاجتماعية والنّفسية لهذه الحقبة؛ فهو إنسان ضعيف النّفس، يحمل قابلية للاستعمار، من خلال مورثات الوهن المنغرسة فيه. وهذه السّمات انتقلت إلى إنسان القرن التّاسع عشر الذي استعمرته الدّول الغربية. فلولا هذه القابلية للاستعمار – حسب مالك بن نبي – لما عانى هذا الإنسان من الاستعمار لفترة طويلة. وإنّ أهمّ ميزة في نفسية إنسان ما بعد الموحدين الانفعال الشدّيد ونقص الفعالية. ويؤكّد بن نبي أنّ ثقافة الانفعال طبعت معظم المثقفين الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية، خاصة النّخبة السياسية لما قبل اندلاع الثورة التحريرية، فمعظمهم انشغلوا بالمظاهرات والافتتان بالزّعامة مما أجّل اندلاع الثورة التحريرية إلى نوفمبر 1954.

فهل خرجنا في جزائر ما بعد الاستقلال من أنفسنا القديمة المسمّاة ﺒ «إنسان ما بعد الموحدين»؟

إنّ أجدادنا فلحوا في تحقيق أكبر ثورة في القرن العشرين، ثورة التحرير الكبرى، بفضل حبّ الحرية الذي ورثوه من أجدادهم السّابقين؛ لكنّنا لم نفلح في جزائر ما بعد الاستقلال في صناعة أنفس جديدة، تخرج من وراثة إنسان ما بعد الموحدين، تخرج من تركة ثقافة الانفعال والثرثرة والاحتجاج والمطالبة بالحقوق أكثر من القيام بالواجيات. إنّنا فلحنا – بتعبير فرانز فانون – في وضع الشرطيّ الأسمر «الجزائريّ» مكان الشرطيّ الأبيض «الفرنسيّ»؛ لكنّنا لم نفلح في صناعة أنفس جديدة، ذلك ما يرويه واقع حالنا في كلّ مراكز النّشاط الاجتماعيّ. فلا يكاد يخلو أيّ مركز اجتماعيّ من الاحتجاجات والإضرابات التي تشلّ معظم القطاعات الإنتاجية في الجزائر. فغالبا ما يلجأ الفرد الجزائريّ إلى الاحتجاج والشّكوى والإضراب، للمطالبة بأبسط الحقوق (الماء الشروب) إلى أسمى الحقوق (العدالة والديمقراطية). وقد ابتكر الجزائريون في السّنوات الأخيرة، نتيجة انسداد قنوات الحوار مع المسؤولين، أسلوب قطع الطرقات وحرق المرافق للتعبير عن حاجاتهم الحياتية الملّحة. فحتى وإن كانت المطالب مشروعة وشرعية، لكنّها قد عطّلت الأعمال إذ اتّخذت الاحتجاجات المتواصلة وسيلة للتّعبير عن المطالب. فهل الاحتجاج والانفعال هي الوسائل الوحيدة المتاحة أمام الجزائريّ للمطالبة بحقوقه؟

الاحتجاج هي الثّقافة المنغرسة في سلوكات الجزائريين

إنّ الاحتجاج والشّكوى هي الثّقافة المنغرسة في سلوكات جلّ الجزائريين اليوم، من العامل البسيط إلى الأستاذ الجامعيّ انتهاءا بالمسؤول الكبير في أيّ مؤسّسة. لنأخذ مثال الطّبقة السّياسية في الجزائر. اكتفت الطبقة السّياسية في الجزائر بردود الفعل الانفعالية: استنكار التّضييق على الحريات، الشكوى من ممارسات السّلطة، ردود الفعل الانفعالية على رسائل الرّئيس، التّأكيد على فشل الحكومة في سياستها الاقتصادية، التّمسك بوثيقة الانتقال الدّيمقراطيّ دون أدنى تحوير أو تعديل. إنّ المعارضة وسيرًا على ثقافة معظم الفئات الاجتماعية اكتفت بالانفعال. فهل هذا هو أقصى إمكانية متاحة أمامها للنّشاط السّياسيّ؟

كان بالإمكان أفضل مما كان

لا أحد يستطيع إنكار التضييق الذي تمارسه السّلطة على المعارضة، من خلال منع المظاهرات بداعي الظروف الأمنية. ولا أحد ينكر استحالة تحقيق التجمعات الجماهيرية، إلاّ في مناسبات الحملات الانتخابية. ولا أحد ينكر مسؤولية السّلطة بقسط كبير في إضعاف المعارضة. لكن، في الوقت نفسه، كان بالإمكان أكثر مما كان من ضعف في النّشاط السّياسيّ للمعارضة. كان بإمكان هؤلاء إبداع أساليب جديدة للنّضال السياسيّ، وكان بإمكان هؤلاء تجديد استراتيجيات العمل السياسيّ بما يسمح بالالتفاف على الخناق السياسيّ المطبق. وأستحضر هنا رأي المناضل السياسيّ والمحامي آيت العربي مقران الذي حمّل السّلطة والمعارضة في آن واحد مسؤولية ضعف الفعل السياسيّ. فالسلطة – بحسبه – ساهمت في صناعة معارضة ضعيفة من خلال تشديد الخناق على نشاطها، كما أنّ المعارضة لم تفعل الكثير للخروج من هذا المأزق. وتساءل مقران آيت العربيّ عما يفعله المنتخبون المحلّيون لهذه الأحزاب السياسية في البلديات التي يشرفون عليها؟ لماذا لا يستغلّ هؤلاء قاعات المحاضرات ودور الشباب الموجودة في كلّ بلدية لتنشيط ندوات فكرية وتنظيم لقاءات مع المواطنين؟ لماذا لا يسعى هؤلاء للقاء المواطنين لتنويرهم والاقتراب من همومهم اليومية؟ ويعقّب آيت العربي مقران على من يبررون الأمر برفض السّلطات الترخيص لمثل هذه النّدوات بقوله: قد ترفض السّلطات الترخيص لهذه النّدوات مرة أو مرتين؛ لكنّها لن ترفض بشكل مستمر. إنّ هذه الإمكانية التي أوردها الحقوقيّ المعروف آيت العربيّ مقران واحدة من أخريات ممكنة، كان على المعارضة تجريبها، المرّة تلو الأخرى، بدل اللّجوء إلى أسهل الأساليب: الاجتماع في القاعات المكيّفة والاكتفاء بصناعة خطابات التنديد بالممارسات التعسفّية للسّلطة. كان بإمكان المعارضة الانتقال من ثقافة الانفعال إلى ثقافة الفعل. من ثقافة الخطابات إلى ثقافة المقاومة الميدانية.

إذا كانت ثقافة الانفعال وراثة اجتماعية، ورثناها وفق قراءتنا من إنسان ما بعد الموحدين، فهل بالإمكان إيقاف انتقال هذه المورثات إلى الأجيال القادمة؟ وماهي حدود مسؤولية الفرد والمجتمع في بناء ثقافة الفعل بدل ثقافة الانفعال؟ ذاك هو مضمون مقالنا المقبل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم …

الثقافة بصيغة الجمع

  تتعرّض المفاهيم في مجالات الفكر المختلفة للانكماش بعد الاتّساع. لنأخذ مثلاً مفهوم البلاغة، الذي …