الخميس، 27 فبراير 2020

ياسمينة خضرا ﻟ «نفحة»: القذافي «بطل» والعرب خرجوا من التّاريخ

ياسمينة خضرا

أوّل فيلم عن العقيد الليبي الأسبق معمر القذافي، كان سيتكفّل به مخرج جزائري شهير، ولكن المشروع تعثّر في طرقات الجماهيرية، ومرّت سنوات، ورحل القذافي(1942-2011)، في سيناريو تراجيدي، وجاء كاتب جزائري شهير ليكتب ما يشبه سيرة له، حملت عنوان «الليلة الأخيرة للرّايس»، هكذا هو عنوان الرواية الأخيرة لياسمينة خضرا، الذي تقمّص شخصية الجلاّد والإنسان، ومنح صوته لمعمر القذافي، وأصدر عملاً يحتل، منذ أسبوعين، قائمة الخمسين كتابًا الأكثر مبيعًا في فرنسا.

في الرواية نفسها (صدرت عن منشورات جوليار) يظهر القذافي كبطل منفرد، يحكي شذرات من حياته ومن مغالاته، من فرحه بأشياء صغيرة، وغضبه من زمن كان يمرّ أمامه ويعجز عن الإمساك به، يتحدّث عن نفسه وعن الأقدار التي كان يمكن لها أن تجعل منه شخصا آخر، بسيرة أقل وحشية.

ياسمينة خضرا(1955) منح صوته الرّوائي لرجل رأى فيه «الإنسان»، بينما وصفه العالم كله ﺒ «المجنون»، وتحدّث في حوار له مع مجلة «نفحة» عن هوامش من الرّواية، وآراء حول صاحب الكتاب الأخضر سابقًا.

ألا تعتقد أن إصدار رواية عن العقيد الليبي الأسبق، معمر القذافي، هذا العام، جاء في وقت متأخر نسبيًا، فزعيم الجماهيرية الأخير لم يعد جزءًا من النّقاشات الرّاهنة؟

برأيي أنه لا يوجد هناك توقيت محدود للتّفكير في رواية، فالإلهام لكتابة رواية يأتي متى شاء، ويفرض علينا أن نتهيّأ له، أن نستعدّ له كما ينبغي، وإن جاء الإلهام في لحظة فجائية، وعابرة، سيكون من الصّعب الإمساك به.

أنا شخص أهتمّ بما يحصل في العالم. في هذا العالم الذي تتقاذفه الشّائعات والأخبار المضلّلة، فكلّ شيء يحدث فيه بشكل متسارع، بحيث لا يسمح لنا بالتّمعّن والتّفكير بهدوء في الأشياء التي تمرّ أمام أعيننا، ولا نستطيع تحديد رأي لنا فيها، وبالتالي، لا نستطيع تحديد منطق لنا إزاء الرّاهن.

القذافي مات بطريقة فظّة، من دون أن يمرّ على محاكمة كانت ستسمح له بتوضيح أشياء. يُرعبني الصّمت وعمليات التّصفية الشّاملة، وقد حاولت، في الرواية، أن أستمع للكولونيل، أن أفهمه، وهكذا أعطيته الحقّ في الكلام الذي سُلب منه.

رواية «الليلة الأخيرة للرّايس» تقوم على تقنية «الفلاش باك»، والذّهاب والإيّاب بين ماضٍ قريب وحاضر. ما هي المرجعيات التي اعتمدت عليها في كتابة الرّواية؟

القذافي شغل طويلا النّقاشات في المغرب العربي، واستحوذ على مكانة من الاهتمام في الوطن العربي، فنحن نعرفه منذ أكثر من أربعين عامًا، نعرف خرجاته الغريبة، وغير المتوقّعة، والتي شكّلت معالم مسيرته. ولعلني أدين بالجزء الأكبر من الحقائق التي تعرّضت إليها في كتابي إلى شهادات من رفاق سلاح قدامى للكولونيل، تعرّفت عليهم في موسكو مطلع الثّمانينيات.

كتابي عبارة عن رواية، هو ليس بحثا ولا بيوغرافيا ولا تحقيقا صحافيًا، وشخصية القذافي بدت لي شخصية تستحقّ أن تكون في قلب مشروع أدبي، فهو صورة روائية من الدّرجة الأولى.

بصفتي كاتبًا، فقد انشغلت وانبهرت ﺒ«القائد». بالنسبة لي، شخصيته المعقّدة، ومواقفه المُبالغ فيها، وشجاعته الانتحارية، واحتقاره المُعلن إزاء أعتى القوى، كلّها عوامل جعلت منه بطل تراجيديا مُعاصرة. أنا لا أُحاكمه، ولا امتدحه أيضًا، حاولت فقط الإحاطة ﺒ «الأسطورة التي صنعت إنسانًا»، وأن أبعدها عن الشّائعات، وعن الكليشيهات، التي حوّلتها إلى مرادف للسّخرية وللكره المتوحّش.

في الرّواية، نُصادف «معمر القذافي» متناقضا مع نفسه، ومع واقعه، نجده في هيئتي الإنسان والمُستبد. كيف صار الضّابط الطّموح الذي كان ديكتاتورًا؟

لكلّ ديكتاتور مسار شخصي يخصّه. لا توجد خارطة طريق تجمع بينهم، مع أن أقدارهم، في بعض الأحيان، متشابهة فيما بينها. وبصدق لا أعرف كيف يحصل هذا التغيّر في الفرد، وكيف تحصل التحوّلات. هناك العامل الإنساني، الذي قد يحمل أشياءً لا نتوقّعها. هناك ديكتاتوريون صاروا كذلك رغبة منهم في الانتقام، آخرون تحوّلوا إلى مستبدين بنيّة تنفيذ مخطط سياسي، وآخرون وصلوا إلى ما وصلوا إليه صدفة أو بسبب عوامل سياسية جعلت منهم ديكتاتوريين.

القذافي جاء من مثالية صافية، من تطلّع ثوريّ. هو لم يصعد للسّلطة لخدمة نفسه، بل لخدمة شعب.

لقد أثار عزله من السّاحة السياسية، وتخلّي قادة عرب عنه، غضبًا  في نفسه، وهكذا عجّل في إخماد حلم الوحدة العربية في ذهنه. الصّورة التي رُوّجت عنه ساهمت في تعميق انحرافاته. لقد صار مُستبدًا لأنه لم يكن يثق في أحد، وبالأخصّ شعوره بأن المقربين منه قد خانوه، وتركوه وحيدًا في مواجهة قوى العالم.  في عناده المستميت مع الغرب، أغمض عينيه عن النّظر إلى الأشياء الأساسية، وعن الانتباه لمهامه كرئيس دولة، وهكذا أغفل بناء الأمّة الليبية، مضيّقا الخناق على شعبه، بشكل قتل كلّ موهبة أو عبقرية أو نزعة في التحرّر، أو التّقدم أو الخوض في النّقاشات، ووأد الثّقافة عموما، هذا ما ساهم في تأجيج الحراك الشّعبي ضدّه، والذي قاد لنهايته، ثمّ نزول البلد كلّه إلى الهاوية.

غلاف الرواية

أنت تُدين التّدخل العسكري في ليبيا.  ولكن، ألا تعتقد أن معمر القذافي نفسه كان سببًا في تدخّل حلف شمال الأطلسي، بعد فشله في التوصل إلى صيغة تفاهم مع الغرب، حفاظُا على سلطته، وحماية لشعبه؟

لم يتمّ الانقلاب على القذافي لأنه كان مستبدًا، بل لأنه كان يتوعّد مصالح القادة الغربيين، قبل أن يتراجع. لقد أغراهم بوعود زائفة للظّفر بمشاريع ضخمة، كتشييد محوّلات نووية، والاستفادة من مشروعات أخرى عملاقة تقدّر بملايير اليوروات. تلك الوعود أسالت لُعاب كبار رجال الأعمال، وسمحت له بالانتقال من صفة ديكتاتور إلى صفة شخص مرغوب فيه. ألم يتم التّغاضي عن جرائمه، وعملياته الإرهابية، ودعمه للإرهاب العالمي، وفُرّش له البساط الأحمر، وسُمح له بنصب خيمته البدوية في قلب قصر الإليزيه؟

تقلّبه في المواقف السياسية، وعدم التزامه بوعوده الاقتصادية، هما ما حرّكا غضب رفاقه الغربيين. مع ذلك، فلا شيء يبرّر الحرب. التّدخل العسكري في ليبيا يعتبر عملا شنيعا، وهي جريمة ضدّ الإنسانية، نتائجها تبدو أنها ستستمر.

لو حذفنا اسم القذافي من الرّواية، وأخرجناها من الفضاء الليبي، هل يمكن أن نسقطها على ديكتاتور عربي آخر؟

القادّة العرب الآخرون لا يستحقون أن يظهروا في كتابي. ليس لهم حضور، ولا مكانة لهم، في التّاريخ الصّغير ولا في التّاريخ الكبير.

بعيدًا عن النّوايا الحسنة، ماذا قدّم معمر القذافي فعلاً للشّعب الليبي؟

قدّم للشّعب الليبي الشّيء نفسه الذي قدّمه غالبية الحكّام العرب لشعوبهم، وهو خزّانات بارود قابلة للانفجار في أيّ وقت.

وماذا خسرت ليبيا بعد سقوطه وماذا ربحت؟

خسرت ليبيا دمها البارد، وكسبت مكانة لها في مجمع الأمم المهدّدة.

بعد روايتك عن العقيد الليبي الأسبق، هل يمكن أن ينتظر منك القارئ رواية تتحدّث فيها بلسان رجل سياسة أو عسكري، من الجزائر؟

أنا روائي، والخيال هو أرضي. أنا أتّجه حيث يسير بي خيالي. أستطيع أن أُقارب كلّ الموضوعات، وأخرج منها منتصرًا. لقد نجحت في إقناع الملايين من القراء، عبر العالم، بقلمي، وليس بارتداء قناع أو بالتلوّن.

ردًا على سؤالك، لست أرى أيّ واحد من السّياسيين الجزائريين يستحق أن يلفت انتباه قرّاء الأدب. أكنّ احترامًا لبعض السّياسيين الجزائريين، خصوصا منهم سياسي فترة ما قبل الاستقلال، ويحضُر في ذهني: فرحات عباس، مصالي الحاج، عبّان رمضان والعربي بن مهيدي. هؤلاء هم الأبطال، أبطالي، ولن أوفيهم حقّهم لو كتبت عنهم.

رواية «الليلة الأخيرة للرّايس» لاقت، كعادة روايات سابقة لك، اهتماما في الإعلام الفرنسي، وهي ضمن «توب 50»، لأكثر الكتب مبيعًا. مع ذلك، فهي لم تجد مكانا لها في ترشحيات الجوائز الأدبية الكبرى. لماذا؟

منذ سنوات، رواياتي لم تدخل قوائم ترشيحات الجوائز الأدبية، الكبرى منها والصّغرى. ولكن هذا لا يمنعني من مواصلة الكتابة والاستمرار في الحلم. جائزتي هي الجمهور، الذي لم يتخلّ عن رواياتي، رغم الإقصاء، ومحاولات التّشويه من طرف البعض، تجاه شخص لم يقرؤوا له، ولم يعرفوه عن قرب. في بعض الأوساط، تصير الموهبة عذابًا، والنّجاح يتحوّل إلى هرطقة.

خمس سنوات، بعد بداية ما يُصطلح عليه ﺒ «الرّبيع العربي»، كيف تنظر لمستقبل المنطقة العربية؟

أنا مُتفائل. التوانسة يمنحون كلّ الأسباب لنكون متفائلين، فنضالهم يعتبر نضالا مثاليا. يكفي أن نستيقظ وننتبه لحرياتنا، لقوّتنا ولتطلعاتنا، لنسيطر على أوهامنا القديمة. دعوتي للجميع هو أن نتوحّد حول قناعة مشتركة، وحول مشروع مجتمع مقنع، حينها فقط ستعجز أي قوة مستبدّة على بسط يدها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

إيلين مختفي: المتسبّبون في تأخّر الجزائر هم الأشخاص الذين سبق لهم أن حرّروها

إيلين مختفي: المتسبّبون في تأخّر الجزائر هم الأشخاص الذين سبق لهم أن حرّروها

حوار: أوجيني بورلي وماري فوكي. ترجمة: جلال الدّين سماعن بعد 132 سنة من الاستعمار تخللتها …

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …