الخميس، 29 أكتوبر 2020

حسني.. سنديانة حُب في وجه الظلام

حسني شقرون

تعودُ إلى الواجهة ذكرى اغتيال حسني شقرون، المعروف جماهيريا بالشّاب حسني(1968-1994)، زَارعةً فينا الكثيرَ من الأسى والشّجن، لرحيل مُباغت، مَسَّ في الصّميم أَيقونةً، صنَعت بحضورها القوي، مباهجَ الفرحة ومَسرات الحياة، في ظرف حَالك صعب، كانت تمُرّ به الجزائر، سنوات الدّم والتّطرف الدّيني الأعمى الذي طالَ نخبةً من المثقفين وصنّاع الفكر الحرّ، كعلولة، الجيلالي اليابس، الطاهر جاووت، وآَخرين، أعُلوا شأن العقل، وراهنُوا على جزائر مُتقدّمة وعصرية، وفي قطيعة راديكالية مع قرون الظّلام والفكر الرّجعي المُتزمّت.

سيظلّ التاسع والعشرون سبتمبر عام 1994، موشوماً في الذاكرة، لسقُوط سنديانة الفنّ الرّايوي الجزائري بطريقة تراجيدية، في زمن دموي، انسحبت فيه مساحات الأمل؛ وحَلَّت مشاهد الذّبح والتّقتيل الهمجي، في ذلكَ اليوم الوهراني البارد، نَفّذ القتلة جريمتَهُم النّكراء بدم بارد، ولاَذُوا بالفرار إلى جحورهم خاسئين..

بعد مُرور واحد وعشرين سنة، بعد حادثة الاغتيال؛ آنَ لَنا أن نتساءل: هل كانَ يَعرفُ حقاً – القتلة – هذا الرّجل الطّيب؟ الذي لَم يفعَل أكثر من إشاعَة الفرح بين الناس، مانحًا إيَاهُم الوعي، أيّ الحياة، على حَدّ قول الشّاعر الفرنسي بول إيلوار، أعني أعلَى مَراتب الابتهاج والبسمة، في زمن الحواجز المزيّفة والمجازر المروّعة؟ وفي فترة عصيبة، لم تشهد الجزائرُ لَها مثيلاً.

إنَّ اغتيال حسني بتلك الطّريقة البشعة، على أيدي الجماعة الإسلامية المسلحة، لاَ يُمكنُ أن يَمُرّ هكذا مُروراً عابرًا، دُونَ أن نتوقّفَ عندَهُ، ونحنُ نَتمَلَّى في المصائر والمسارات المُعقّدة، التي كَادت أن تُوديَّ بالبلد، إلى شفير الهاوية؟ فالفنّ والغناء والفكرُ الحرّ، المُخالف لقناعاتهم؛ كان دَوماً القلعة التي كانَ يَستهدفها الظلاميونَ، مُتّخذينَ من رموز الفنّ والثقافة أهدافاً لهم، وهو موقفٌ صارمٌ ينسجمُ مع مرجعياتهم ونظرتهم المتطرفة للحياة والفن؛ لتصفية الخصوم والمُناوئين، لقد كان حسني تمامًا – كبابا نُويل – مُسافرًا على أجنحة الحُلم؛ مُقَدّماً للناس الهدايا والمسرَّات، والأُغنيات الجميلة التي تطفحُ عشقًا وحياة.. فهل أرادَ هَؤلاء في ذلكَ اليوم الحزين توقيفَ الحُنجرة عن الشَدو، وتَاليًا، إيقافَ النّهر عن الجَريان؟ كَم كانوا أغبياء – وكَم كُنتَ ذَكياً – إذ اعتقدوا أنَّهُم كَتموا أنفاسَ السّاقية عن السيلان. لقد وَاصلَ النهُر تَدفّقَهُ الهَادر إلى مَصبّه الأخير، وأصبحَ حسني حُلماً مُشاعاً في قُلوب الآلاف من مُحبيه وعُشاق أغانيه، لقد تَحوَّلَ إلى أَيقونة تصدحُ بأعذب الأغاني العاطفية، المُفعمة بالحبّ والعشق واللوعة والتَحسُّر والفقدان؛ ارتفعَ فوقَ هامات القتَلَة الأقزام؛ وظلَّ صَوتُهُ شامخاً بشدوه، يُناطحُ جبال المرجاجو، وسانتا كروز، في سماء الباهية وهران.

رسالتي إلى حسني شقرون في عَالمه الآخر، وفي ذكراه هي رسالة وَجد لشخص نَذرَ فنَهُ، وأزهَى سنوات العُمر، للغناء وإمتَاع الآخَرين، أقولُ لكَ: لقد كَبُرَ ابنُكَ عبد الله؛ واتسعت أحلامُهُ، وأحلامُ جيله، بحجم شمس ساطعة، تُثيرُ الدّهشة.. صَحيحٌ ياصديقي، أَنّهُ كانَ صغيرا حينمَا طَالتكَ أيادي الغدر الآثمَة، وأجهَضت الحُلمَ في عينيك، لكنَّ البُرعُمَ الصغير سَيعي – لاحقاً – كَم هُو مُفجعُ اليُتمُ، وكَم هي فادحةٌ مَسافةُ الغياب المُؤثر، الذي تَرَكتَهُ بعد رحيلك الفجائعي؛ في سنوات الدّم والمحنة؛ وَسَيُدركُ بحدسه، أنَّ القتلة الذينَ اغتالوا الأب، بتلك الوحشية الرّعناء، بمسدّساتهم الكاتمة للصّوت، لم يُصيبوا إلاَّ الجسدَ الوَاهي الضّعيف؛ أما الرّوح التي انتشَى بها الآلافُ من مُحبي أغانيه فستظلُ حيّة على الدَوام. فالويلُ للقتلة؛ والمجدُ لروحكَ الطاهرة يا سنديانة الحبّ في الأعالي.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

فيلم «بابيشة».. كليشيهات، فلكلور واقتباس

فيلم «بابيشة».. كليشيهات، فلكلور واقتباس

عائشة بلعابيد شاهدت قبل أيام فيلم «بابيشة» (إنتاج مشترك جزائري، فرنسي وبلجيكي) لمخرجته (وكاتبة السيناريو) …

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

من يقدر على قراءة “اللحظة الجزائرية” – الآن – حيث تتشرذم النّخب المثقفة وتشتّت، مع …