الأربعاء، 17 يوليو 2019

عشرون عامًا وعام من الاستماع للشّاب حسني

الشّاب حسني

حسني لم ينته من كتابة ﺃغنيته الأخيرة، ولا من دندنة لحن لها وتصوّر شكلها ولونه الختاميين..ترك النّص مفتوحا، تائها، غير مقيّد، بلا نقاط ولا فواصل، ولا ﺃفق واضح، وبهامش ﺃبيض عريض، ينتظر وحيًا ﺁخر، لعنة إبداع جديدة، حياة ثانية، وقدرًا أكثر نعومة وﺃقلّ دموية..

لم يفكر في تنقيط الخربشات، ولا في تقطيعها، لم يضع نقطة ﺁخر السّطر، ولا تمهيدًا أوعنوانًا للألبوم الذي لم يصدر، بل اكتفى فقط بإغماض عينيه وترجّل. مارس لعبته، التي تعوّد عليها في سبع سنوات، بالكتابة صامتًا، ثمّ خرج يُلاقي مصيره وهو يفكّر في مساء لم يصل، مساء لم يكتمل، كان ينوي ﺃن يواصل فيه السّهر، والدّردشة الحميمة مع بقايا ورق الجرائد.

غادر حسني موطنه/الراي دونما ﺃن يغلق قوسًا فتحه يومًا ما، عن وعي أو غير وعي منه، لا يهم! فقد وُلد حسني من رحم الفرجة، مستوعبًا حقّه في الكلام المُباح، مستوثقا بعروة البقاء، كصبيّ نضج قبل الآوان، عاش بهجة اللحظة، ولم يضيع وقتًا في التّفكير في عبثية الخاتمة. ﻓ«الحياة هي دائما موت ﺃحد ما» كما قال الكاتب الفرنسي أنتونين آرتو، وما يبقى لنا من الرّاحلين فقط ذكرى تكبر يوما بعد الآخر، وما يُنسي الإنسان سطوة الغياب، وصدمة تخلّي الآخرين عنه هي فقط قناعات الشّاعر الإسباني فيديريك غارثيا لوركا لما صاح: «لا شيء ﺃكثر حضورا فينا من الذكريات». ﺬكريات لوركا كانت تتّسع في الشّعر، في فراغ تملؤه الكلمات، وفي معزوفاته وانطباعاته المسرحية، أما ﺬكريات حسني، وما تبقى من ميثولوجيا «ملك بلامملكة» فهي تحفر عميقًا في طينة الحاضر، في مقاصد نصّه الغنائي الإنساني دائم التداول بين مُريدي الرّاي «السّادي»، فقد أورث الراحل من جاء بعده صيغة ودية لحلم متجدّد، ونآى بنفسه بحثًا عن حياة ثابتة، تؤمن بمقدّس الحبّ، من وجهة نظر جزائرية، خالصة، تارة عقلانية وتارة أخرى لا عقلانية، وتؤمن بحتمية العيش على منطق الانتظار، وربما الاحتضار في سبيل إيجاد «آخر» يُشبهنا، يتحمّل خطايانا ويُقاسمنا لحظات العنف والصّفاء بل ملل.

كم كان يلزم حسني من العمر ليتمّ ﺃغنيته الأخيرة؟ ﺃغنية فكر فيها سنوات ولم يكتبها.

الوهراني الرائي، ابن «ﭭمبيطا» العتيق، اكتفى بخطّ هوامش، ورؤوس أقلام، وترك الصّفحة خالية سوى من الأوهام، وتوجّب عليه أن يموت أكثر من مرّة  ليفهم البعض معنى الوجود، وأهمية الاستمرار، ويدركوا أن صموده لم يأت من مجرد كونه مغنٍ أعزل، بل من حقيقة أنه كان يحمل شيئا من ﺬواتنا، شيئا دفينًا نسيناه منذ زمن بعيد، منذ أن طفا الأسود على الأبيض، ثم الأحمر على ألوان الطيف السّبعة، وجاء هو، في صورة دونكيشوت مُعاصر وواعٍ، متحرّر من العبودية، ليحييه ويبعثه من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم. جاء كنبي متخفٍ، لا رسالة له سوى موعظة النّاس بما يرون ولا يحسون، يدلّهم على سبل مداواة القلب من تشوّهات النسيان، وغفلته عن النوستالجيا وميله المفرط لمحو الماضي بالرّاهن.. جاء كنبي أضاع بوصلته، ودخل المدينة على حين غفلة، ليعيد الثّقة في النفوس القلقة سنوات التسعينيات، حين لم يكن للبلد ضمير، وكانت الأرواح تتسقط «كالذّباب» بسبب واحد، وبما لانهاية من اللا أسباب، تتساقط «زورًا» كما قال أحدهم، في فترة كان فيها سؤال «من يقتل من؟» يكاد يصمّ الآﺬان. حينها فقط جاء الراي كموسم مطر تلا سبع سنين عجاف، أكل فيهن الأخضر اليابس، جاء محملاً بما ضاع من الفرد الجزائري، مُشبعا بإرث الشّيوخ: سيدي لخضر بخلوف، مصطفى بن براهيم، الهاشمي بسمير، حمادة، عبد القادر الخالدي وغيرهم، ليبثّ في باحات الجزائر، وفي الأزقة الشّعبية، في الشّرفات وفي مواكب العشق الخجولة، إنسانية كادت أن تزول فجأة، ليحرّرها من تلعثم القلب وكبت اللسان وضيق الرّجاء..

يوم كان حسني يكرّر مدائح الغياب، كانت مساءات الرّصاص تعلو فوق صوت الشّيخة، تغطي تجاعيد وجهها و«فحولة» صوتها، وتشوّش على المداحة والڤصاصبة والڤوالة. حينها، كان «الشّاب» يخرج، شيئا فشيئا، تحت الظلّ، وبخطى متثاقلة، من جبّة الأب وخندق الرّقابة، متتبعًا أثر الشّيوخ، من تلمسان إلى غليزان، وتيارات وسيق ومعسكر، مستعيدًا نصوص المؤسسين، إلى الواجهة، بطعم غير طعمها الأول، بلغة تضطهد الدّم وتبيح الفرح المطلق، كان يُلقن الآخرين سببا ليحيوا، ليتمردوا على يومياتهم، ليدركوا، في الأخير، أن ولادة حلم عام 1962، لم تكن سوى مخاض ولادة أخرى ستأتي بعد ثلاثين عاما، في مواجهة همجية سنوات الخنجر والكلاشينكوف.

تمامًا كما احتاجت فرنسا إلى نصّ يذكرها بإنسانيتها سنوات الحرب العالمية الثانية، ووجدته في «أمير» أنطوان دو سانت كزوبيري الصّغير، وجدت الجزائر في صوت حسني طوق نجاة من «اللاجدوى»، من مشاعر اليأس المحتمل، من تراشق الإخوة الكبار بقميص يوسف، الملطّخ بفوضاهم، وبراءة الأخ الأصغر من غرورهم.

وصل حسني في الوقت المناسب ورحل في الوقت غير المناسب. كان يتوجّب عليه أن يكمل النصّ الأخير، أو أن يخبر، على الأقل، من سيأتي بعده كيف يكتب تتمّة له، كيف يضيف سطرين أوثلاثة أسطر ليلتئم المعنى وتصير اليوتوبيا حقيقة.

الضّعف وحده من يحرم البعض من التّمسك بقناعاتهم..وخطيئة من كتم صوت حسني كانت زلّة جهل، موشوم على جبين «عار» لم ينته.. حسني الصّبي، حسني العاشق وحسني ﺬاكرة الراي، هو موال سيبقى يتوالد دونما توقّف في دواخل من عرفوه واستمعوا إليه، سيظلّ يُحرّك رغبة في بعث ما مضى، و يُعلّمنا أن النّسيان لعنة وأن النوستالجيا فضيلة، وأن الحبّ الذي وُلد سنوات البيداء، وكبر أيام الشّقاء، وحده من يفقه ﺁية البقاء.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …