السبت، 24 أغسطس 2019

سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 – (ج2)

سامية بن عكوش

لن يعدم المجتمع الجزائريّ الوسيلة للخروج من وضعية التخبّط، والتيه التي وضع نفسه فيها ووُضع فيها، إن صحّ عزماه السّياسيّ والاجتماعيّ على تصحيح مساره الحالي. وسيكون سؤال البداية الصّحيحة: لماذا لم نحقّق التّنمية بالقدر الكافي مقارنة بإمكانياتنا ومواردنا؟

إنّ سؤال: لماذا؟ هوالسّؤال الجوهريّ الحضاريّ الذي يواجه الجزائر في 2015، ووجب الانشغال به من المفكّرين والسّلطة والسّاسة والمجتمع. ولو يطرح هؤلاء سؤال: لماذا؟ بدلا من سؤال: من فعل بنا ذلك؟ ستنتقل الذّات الجزائرية من وضعية نرجسية تتنكّر فيها لمسؤولياتها التّاريخية، إلى وضعية نقدية تتحمّل فيها مسؤولياتها فيما تحقّق وما لم يتحقّق، أي أن المجتمع الجزائري سينتقل إلى البحث عن أسباب فشله في تحقيق تنمية حقيقية داخل ذاته لا خارجها، أي داخل بناه الفكرية والسياسية والاجتماعية التي صنعت ذلك. سيتحوّل الفشل إذن إلى موضوع للنّقد السوسيولوجي. ولا يقصد بسوسيولوجيا الفشل البحث عن ذرائع قدرية داخل المجتمع جعلت فشلنا حتمية تاريخية كما تروّج له بعض النّظريات القدرية، بل أن ننقّب داخل البنى الفكرية والسياسية والاجتماعية عن أسباب الفشل، بالتزام النّقد العلميّ البنّاء، لا الآراء الحماسية الثورية التي لن تزيدنا سوى حيرة وتيها.

تتطلّب سوسيولوجيا الفشل وسائل ومنفذين وأهدافا واضحة وإرادة جماعية ومصارحة وطنية في دراسة الموضوع. وأوّل خطوة مصارحة الحكومة للرّأي العام عن حصيلتها خلال فترة تسييرها لأمور البلاد، وكذا تحديد واضح لاستراتيجية الخروج من الأزمة الحالية، كما طالبها بذلك خبراء اقتصاديون وشخصيات سياسية وأحزاب وطنية. ولا بد أن تعضد الخطوة السّابقة بخطوة أخرى على مستوى الفكر، فأحوج ما تحتاجه الجزائر في الفترة الرّاهنة بحوثا ودراسات جريئة تتطرّق إلى الفشل كموضوع بحث على أعلى المستويات الجامعية، وتتطلّب منفذّين أكفاء، وهؤلاء هم المفكّرون الجزائريون، داخل وخارج الوطن.

إنّ سوسيولوجيا الفشل من أهمّ المواضيع المعرفية التي تطرح نفسها حاليا في الوطن العربيّ: لماذا فشل الفكر التنويريّ لمحمد أركون وحامد أبو زيد وكلّ مفكري الأنوار في عصرنا؟ بينما نجح الظلاميّون في كثير من البلدان؟

محمد آركون

لن تتحقّق أيّ ثورة اقتصاديّة أو سياسيّة ما لم تسبقها ثورة فكرية. ففلسفة الأنوار مثلاً هي التي مهدّت للتغيّرات السّياسية في أوروبا. وإنّ تجديد الفكر العربيّ ينطلق من دراسة مواضيع جديدة، تحلّل الظّروف الاجتماعية التي تصنع فشل فكر ما. وهو ما يمكن تسميته بسوسيولوجيا الفشل. ولا تعدم الجزائر من الكفاءات البحثية التي تستطيع تشريح مواطن الخلّل، ونقد الذّات الجزائرية الحاملة لهذا الخلّل، بالعودة إلى تاريخنا القديم وليس الوضع الرّاهن فقط؛ لأنّ بذور الفشل ليست وليدة اليوم بل ورثها الجزائريّ من إنسان ما بعد الموحدين، على حدّ تعبير مالك بن نبي. ثمّ إنّ دراسة نقدية لذواتنا ستطال حتى الثقافة التي صنعت شخصية الجزائريّ المعاصر، وتحديد تأثيرها في صنع إنسان متّكل مستسلم وخامل. وستطال الدراسة بنية العقل الجزائريّ، أي منظومة القيّم والمعتقدات التي شكّلت الفكر الجزائريّ، ونظرة الجزائريّ إلى العالم وعلاقته الشعورية بالوطن؛ ثمّ نمط الشخصية الجزائرية التي صنعتها الأسرة وعزّزتها المنظومة التربوية. وستشكّل المنظومة التربوية في بلادنا موضوع الدراسة، باعتبارها الهيئة المنوطة بصنع طاقات مفكّرة وعالمة، ذات أداء عالٍ.

الهدف من دراسة بعنوان «سوسيولوجيا الفشل» هو تشريح الجسم الاجتماعيّ وبناه الفكرية والسياسية لإظهار مواطن الاعتلال والخلّل، قصد اقتراح الدّواء المناسب، الذي سيكون انتقالا من «سوسيولوجيا الفشل» إلى «سوسيولوجيا النّجاح»، أو لنقل تناغما مع المقدمة، ستكون سوسيولوجيا النّجاح وصفة علمية ناجعة توقف انتقال مورثات الفشل إلى أجيال لاحقة، مثلما يعمل علماء الجينات على تقليص تأثير الجينات المريضة في الآباء على الأبناء. الانتقال إلى مجتمع سليم هو الهدف المنوط بسوسيولوجيا النّجاح.

مستقبل الجزائر مفتوح على كلّ الاحتمالات

إنّ السّير نحو النّجاح يتطلّب رؤى فكرية عميقة، ترسم الاستراتيجيات التنموية للجزائر في أفق 10 سنوات أو 20 سنة المقبلة. وتطال كلّ البنى الاقتصادية والاجتماعية، اقتصادية تحمل مشروعا تنمويا مدروسا يخرج الجزائر من التبعية لمداخيل النّفط، واجتماعية تسعى إلى تحقيق مجتمع مدنيّ، يشعر بالمسؤولية نحو الوطن، ويتعاون على تحقيق التّنمية المستدامة، كلّ واحد في موقعه، أستاذا وطبيبا وعاملا بسيطا.

البعض يرى أنّ الجزائر ضيّعت فرصا كثيرة لتكوين مجتمع مدنيّ في سنوات خلت، وأنّ فرص تحقيق المجتمع المدنيّ حاليًا ضئيلة جدا، في ظلّ الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، وكذا الظروف السّياسية العالمية الصعبة، خاصة أنّ الجزائر محاصرة بالصراعات من كلّ جهة.

إنّ مستقبل الجزائر مفتوح على كلّ الاحتمالات، وتبقى الفرصة متاحة دوما في ظلّ الأمن النّسبيّ الذي تتمتّع به الجزائر لتجسيد الخطوات العملية للانتقال إلى مجتمع مدنيّ. ففي ظلّ المجتمع المدنيّ فقط، يمكن للجزائر تحقيق التنمية المنوطة بها أوّلا، ولتلج نادي الإنسانية آمنة ثانيا. إن توفرت الإرادتان السّياسية والاجتماعية تتحوّل التصوّرات الفكرية إلى عملّية، فيحمل كلّ واحد من أفراد المجتمع الجزائريّ همّ التنمية في فكره ويسعى إلى تجسيده في فعله، فيؤدي الأستاذ عمله التربويّ على أحسن وجه، ويسهر الطّبيب على صحّة مريضه على أحسن وجه، ويتقن العامل البسيط صنعته في معمله أو متجره. لأنّ كلّ هؤلاء سينخرطون في مشروع التنمية، ويقتنعون بأنّهم معنيون بها قبل السّلطة، ليس مثلما نعاين في واقعنا الراهن، الكلّ يشتكي من المسؤولين، ويحمّلونهم تبعات المشاكل التي تواجههم.

لما يتحوّل المجتمع إلى مدنيّ سيندمج في مسيرة التنمية، التي تعني الأخذ بآراء كلّ فئاته وإشراكها في الخطّط التنموية. ولن تقتصر العلاقة بين السّلطة والشّعب على أوامر وقوانين تفرّض من أعلى إلى أسفل، بل تتحوّل إلى علاقة شراكة تنموية، قد تصعد في إطارها الأفكار والآراء من أسفل إلى أعلى، بعدما يتناولها المجتمع المدنيّ بالمناقشة الصّريحة بصورة أفقية. وقد تتحوّل المقترحات إلى قوانين تتبناها السّلطة التشريعية وتجسّدها السّلطة التنفيذية.

النّجاح في تكوين مجتمع مدنيّ يعزّز قيّم الديمقراطية والتّحضر

إنّ تحويل المجتمع الجزائريّ إلى مدنيّ هو الضّمان الأساسيّ للسّلم الوطنيّ. وسيكون المجتمع آنذاك مسؤولا أيضا عن مستقبل الوطن. فيتصرف بمسؤولية ورشاد في المطالبة بالحقوق. ولن يضطر إلى قطع الطرقات أو إحراق المرافق العامة أو حتى امتطاء قوارب الموت للتّعبير عن غضبه أو احتجاجه، لأنّه سيجد ساحات عامة مفتوحة للتّعبير عن  انشغالاته وجمعيات مدنية توجّه طاقاته وممثلّين مخلّصين يدرسون انشغالاته بجدّية.

في ظلّ المجتمع المدنيّ، كلّ واحد يحسّ نفسه مسؤولا عن مصير الوطن، من الفلاح البسيط إلى أعلى مسؤول في هرم السّلطة. وفي ظلّ المجتمع المدنيّ يقدّم المواطنون واجباتهم نحو الوطن على حقوقهم من الوطن. وستقلّ ظاهرة الإضراب التي تشلّ الكثير من القطاعات في أيامنا هذه. سيهتمّ الجزائريّ بتحسين معارفه ومهاراته وسلوكاته للرفع من مستوى الإنتاجية، لا أن يحتجّ دون هوادة حول كلّ صغيرة وكبيرة.

إنّ النّجاح في تكوين مجتمع مدنيّ يعزّز قيّم الديمقراطية والتّحضر، كما أنّ تكوين أيّ مجتمع مدنيّ لن يتحقّق إلا بتكريس قيّم الديمقراطية. فكلاهما يتعزّزان ببعضهما البعض. لأنّ الديمقراطية هي من تتيح للمجتمع فرصة التّعبير عن آرائه في كلّ ما يشغله داخل وطنه. كما أنّ حركية المجتمع المستمرّة في تحقيق التنمية ونقد الخطّط والاستراتيجيات ستعزّز من قيّم الدّيمقراطية، التي لن تكون سوى ضمانا لحرّية التفكير والنّقد والتّعبير.

إنّ أيّ تغطية سياسية على مطلب المجتمع المدنيّ في الفترة الراهنة؛ ستزيغ بالمجتمع الجزائريّ عن سكة التنمية المستدامة، ليواصل طرح الأسئلة الخاطئة والإجابة عليها بطريقة خاطئة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم …

الثقافة بصيغة الجمع

  تتعرّض المفاهيم في مجالات الفكر المختلفة للانكماش بعد الاتّساع. لنأخذ مثلاً مفهوم البلاغة، الذي …