الجمعة، 23 أغسطس 2019

بوعلام صنصال وكوابيس العيش تحت سماء بلا ربّ

بوعلام صنصال

في رواية «2084.. نهاية العالم» يكتب بوعلام صنصال نصّه الأكثر تشاؤمًا، يسير، على عكس رواياته السّابقة، نحو المستقبل، يتنبّأ بسقوط فلسفة التعدّد، ويعلن بداية الانحدار نحو «الجحيم المُقدّس»، يُشيع عصر التمرّد، ويصوّر للقارئ حياة رخوة، تدور حول فلك الرّجل/ الدّولة، الفرد المُطلق، الواحد الأُحد، ويكرّر، في أكثر من موضع، خيبته من أزمنة التّنوير، التي لم تقد الإنسان، في النّهاية، سوى نحو مزيد من التزّمت والتّطرف. هو لا يروي قصصًا وأُحجيات، عن المركز الذي صار هامشًا، كما تعوّدنا عليه في أعمال سابقة، بل يحكي وجهة نظّر متخيّلة عن هامش صار مركزًا، يُقدّم كتابًا يجمع بين السّرد والتّنظير، يعرض أوجه السّقوط القادم، الذي لا يعرف، هو نفسه، طريقا لتفادي تبعاته.

على خلاف رواياته السّابقة، يهتمّ بوعلام صنصال في روايته الأخيرة بمصائر جماعية، وليس مصائر فردية، يبحث في بسيكولوجيا الجماهير الملتفّة حول قناعة واحدة، يُشرّح جسد الجموع القابلة للهيمنة، ينطلق منها ليصل إليها، يطرح قراءة جانبية لمجتمع منغلق على نفسه، متعالٍ ومغمض العينين.

«لا إله إلا يولا، وآبي عليه السّلام رسوله!» نقرأ في الرواية. يولا في السّماء، وآبي في الأرض، وأسفلهما شعب لا ينظر سوى لنفسه، ولا يعرف ماذا يوجد خلف الحدود، شعب منطوٍ حول أساطير، في أرض تُسمى «آبيستان»، قد تشبه الدّولة الإسلامية في العراق والشّام، في مغالاتها، وإسرافها، وسوء معاملتها للتاّريخ، وقد تشبه كوريا شمالية «مُتأسلمة» في أُحَاديتها، وفشلها في كتابة سيرة لها تليق بسير الدّول المتعمّقة في القهر، وقد تشبه الجزائر حين تنعزل في غيتوهات الماضي، قد تتقاطع ملامح آبيستان مع كلّ واحدة من ديكتاتوريات القرن الواحد والعشرين، التي أسّست لسلطانها على بطولات مرقّعة بخيوط رفيعة، وعلى كتب مُقدّسة، وعلى ديانات تشبه ديانة (Gkabul) التي يُؤمن بها شعب آبيستان، وبكتابها الذي يُحاكي النصّ القرآني، هذه الدّولة المتخيّلة، الرّاكدة في الجغرافيا، حيث لا يتحرّك مواطنها سوى للحجّ، في بقعة تتغيّر كلّ بضع سنوات، والتي لا تتحدّث سوى لغة واحدة، وحيث «العدو»، الذي لا نعرّف اسما له ولا هُويّة، يتربّص بها وبقدسيتها، هذا العدو الذي يفكّر فيه الجميع ويخافونه من دون أن يرونه. إنها دولة طرأت على الخارطة عقب حرب مقدّسة، لا نعرف في أيّ سنة تحديدًا اندلعت، نعرف فقط أنها كانت حربًا بويلات الحربين العالميتين، بصقت نتائجها الحقيقية مع العام 2084، وصنعت مجتمعا يفكّر في الغيبيات أكثر مما يفكر في المعقول، يصحو وينام في حضن سلطة، لا هي جمهورية الرّأس الواحد، ولا مملكة العائلة الواحدة، سلطة ثيولوجية تكنوقراطية، أشبه بإقطاعيات القرون الوسطى، حيث لا صوت يعلو فوق كلمات «آبي»، الذي لم يره أحد، ولا عقل ينافس جهاز (L’Appareil) في يقظته المستديمة، ولا مواطن يناقش خيارات حكومة (La juste Fraternité)، في محافظات آبيستان السّتين، حيث تتوالد الخرافات حول آبي، الحاضر/ الغائب في يوميات النّاس العلنية والسّرية.

تصادفنا في الرّواية شخصية «آتي»، وهو موظّف بسيط في الامبراطورية، يعتقد أن شفاءه من السّل لم يكن سوى معجزة من معجزات يولا، هكذا يخرج من المشفى، ويحاول البحث عن سبيل للتحرّر من دساتير الجماعة، ننظر من خلاله للحيوات البسيطة في آبيستان، لأناس لا ماضٍ لهم ولا مستقبل، فقط يعيشون حياتهم الحاضرة، في إمبراطورية تختصر العالم كلّه بالنسبة لهم، ويفكّرون فيما يجري في قصر آبي، في العاصمة المُسمّاة «قُدس آباد»، ويعيشون روتينًا، حيث المُعتقد ليس مقدّسًا كما ينبغي له، ولكن من شروط العيش الآمن تجنّب المساءلات، وعدم الخوض في تفسيرات وأسئلة، تخصّ العقيدة المفروضة.

«آتي»، الذي يحاول أن يختصر مجتمعا متناغمًا في خضوعه، «لا يرفض الدّين، ولكنه يرفض السّيطرة على الإنسان باسم الدّين»، هو يقول في سرّه أشياءً لا يتجرّأ على قولها علنًا، يعتقد أنّ «الإنسان لا يحقّق وجوده سوى بالتّمرد»، ولكن، التّمرد على ماذا؟ التّمرد على «الدّين وزبانيته» يفكّر «آتي». فقد تشبّع من كتاب «آبي» وآياته، التي تجزم بأن عقيدة مواطن أبيسان هي «عقيدة الخنوع»، وبأنّ المواطن عليه أن ينفّذ ما يُؤمر به، لينال أجرًا، وأن لا يسأل عن المستقبل، تحاشيًا لأي صدام مع الأعين والآذان، ففي تلك الأرض، لا شيء يتكاثر، ما عدا جيوش رجال المخابرات، وما شابههم من قوّادين، ومحترفي كتابة التّقارير الأمنية، حيث الرّؤوس تـُقطع، بالمئات، وبفتاو سريعة التّحضير.

غلاف الرّواية

رواية «2084.. نهاية العالم»(منشورات غاليمار) تضع القارئ في فضاء ديني، ليس من الماضي، بل من الحاضر المشتعل، في المحيط العربي، حيث لغة الامبراطورية تشبه في سلطتها اللغة العربية في ارتباطها بالدّين، لتصير اللغة، رغما عنها، أداة حكم في قدس آباد، أو «مدينة الله»، وبقية المحافظات الأخرى، التي خرجت للوجود «كمعجزة قام بها يولا» حين كان يسمى «الرّب»، قبل أن يتنازل عن كثير من ملكوته لصالح آبي، ويمنحه الحقّ في بسط حكمه على أناس حلمهم «الشّهادة في سبيل آتي ويولا».

هي رواية في مديح الخنوع، في وصف الثّالوث المقدّس: يولا وآبي وكتابه، هذا الثالوث الذي سينعكس على حياة مواطني الإمبراطورية الذين يتوقّف اسمهم دائما على ثلاثة أحرف، مثل: ناس، كوا، طُزّ، إلخ.

هي رواية عجز الإنسان عن تحرير رقبته من سلطان العدم، وورطة الدّين، الذي يلجأ للعنف والعسكر لفرض صوته، هي رواية كوابيس تنتهي بدخول آبيستان حالة اضطراب داخلي، وتعيش بوادر تمرّد غير معلن، تتحدّث عنه الصّحف الآبيستانية، ولكن هل نصدّق كلامها؟ إنها صحف تتبع آلة القهر، وربما كتبت عن الاضطرابات لتخويف ساكنيها، وكبح أفكار «آتي التحريرية»، الذي يلتزم، في النهاية، بموقف سلبي، يعكس الحالة التي وصلت إليها دولة يحكمها رجل باسم السّماء.

في الأخير، قد نتساءل: هل من الضّروري أن تحيل رواية بوعلام صنصال القارئ إلى رواية جورج أورويل الشّهيرة «1984»؟ هنالك تقاطعات، بدءًا من رمزيّة الرّقم في العنوان، ثم كنية «آبي»، الذي يُطلق عليه أيضا: «Bigaye» (مما يحيلنا ﻟ Big Brother)، لكنها تقاطعات شكلية كان يمكن تجنّبها، ليستقل صنصال(1949) عن ظلّ أورويل، أو ربما أرادها عن قصد لكسب تقارب معه، في أعين القراء والنّقاد، ثم إن أحداث الرواية تدور في مكان يخضع لسلطة قمعية، ولرقابة الحرس الخفيّ، كما نجده في «1984». لكن بوعلام صنصال يُعلم القراء، في بداية الرّواية، أن القصّة ليست حقيقية، ويخاطبهم: «ناموا بسلام، فكلّ شيء تحت السّيطرة»، فهل هذا التنبيه سيحميهم من تخيّل سيناريوهات مماثلة لما عرفه آتي، ويقيهم شرّ كوابيس يجتمع فيها آبي ويولا، باسمهما أو باسمين آخرين؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …